نحو دولة بلا سلاح منفلت: الاستقرار أولًا
مشتاق الربيعي
بعد إصدار قرار رجل الدين السيد مقتدى الصدر بدمج قوات سرايا السلام التابعة له ضمن إطار القوات الأمنية الرسمية، شهد الشارع العراقي حالة من الترحيب الواسع بهذه الخطوة التي عُدت تحولًا مهمًا باتجاه دعم مؤسسات الدولة وتعزيز هيبتها، لاسيما أن ملف السلاح خارج إطار الدولة يُعد من أبرز الملفات الحساسة التي أثرت على الواقع الأمني والسياسي في العراق خلال السنوات الماضية. كما حظي القرار باهتمام وترحيب عربي ودولي، باعتباره خطوة تسهم في ترسيخ الاستقرار ودعم مسار بناء الدولة العراقية الحديثة القائمة على القانون والمؤسسات.
إن أهمية هذا القرار لا تقتصر على كونه إجراءً تنظيميًا أو أمنيًا فحسب، بل تتعداه إلى كونه رسالة سياسية ووطنية واضحة تؤكد ضرورة الانتقال نحو مرحلة جديدة يكون فيها القرار الأمني موحدًا بيد الدولة، بعيدًا عن أي ازدواجية في مراكز القوة أو تعدد في الجهات المسلحة. فالدولة القوية لا يمكن أن تقوم في ظل وجود كيانات مسلحة خارج مؤسساتها الرسمية، بل عبر جيش وأجهزة أمنية تعمل وفق الدستور والقانون وتحت سلطة واحدة واضحة.
كما أن ظاهرة تسلح المجتمع وانتشار السلاح بين الأفراد والجماعات والقوى السياسية تُعد ظاهرة غير حضارية على الإطلاق، لما تسببه من تهديد مباشر للسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، فضلًا عن انعكاساتها السلبية على الاقتصاد والاستثمار والحياة اليومية للمواطنين. فالمجتمعات التي تسودها الفوضى السلاحية تفقد قدرتها على التطور والاستقرار، بينما المجتمعات المتقدمة تعتمد بشكل كامل على سيادة القانون ومؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى نزع السلاح من يد القوى السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة تُعد واجبًا أخلاقيًا ومهنيًا ووطنيًا، لأنها تمثل خطوة أساسية في بناء دولة حديثة قوية، وتعيد الاعتبار لسلطة القانون وتوحيد القرار الأمني. كما أنها تعكس إرادة شعب يتطلع إلى الاستقرار والعيش بأمان بعيدًا عن التوترات والصراعات المسلحة، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الدولة لا الفوضى.
إن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة لا يهدد الأمن الداخلي فقط، بل يؤثر أيضًا على صورة العراق أمام المجتمع الدولي، ويضعف فرص التنمية والاستثمار، ويعرقل بناء مؤسسات مستقرة قادرة على تقديم الخدمات للمواطنين. لذلك فإن معالجة هذا الملف بشكل جاد ومسؤول يمثل ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها، ويتطلب تعاون جميع القوى السياسية دون استثناء.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب من جميع الأطراف الوطنية تغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، والعمل على دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها، بما يضمن حماية الوطن والمواطن، ويمنع أي عودة لمظاهر الفوضى أو تعدد القوى المسلحة. فالعراق يمتلك من الإمكانات البشرية والمادية ما يؤهله للنهوض، لكنه بحاجة إلى بيئة مستقرة وآمنة قائمة على سيادة القانون.
وفي الختام، فإن التطلع الشعبي اليوم يتجه نحو بناء دولة قوية مستقرة، يكون فيها السلاح بيد الدولة وحدها، وتُحترم فيها سلطة القانون، وتُصان فيها كرامة المواطن، ليبقى العراق وطنًا آمنًا مزدهرًا يسوده الاستقرار والتنمية والسلاح.
