Skip links

تضامن شعبي وخطابات كراهية

الحرب تكشف وجهين للبنان..

شفق نيوز- بيروت/ خاص

برزت مفارقة غريبة في المشهد اللبناني خلال الحرب التي اندلعت بين لبنان وإسرائيل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتضخمت حدتها خلال الحرب الحالية، إذ إنه في مقابل مظاهر التكافل والتضامن الوطني الواسعة التي عبّر عنها اللبنانيون عموماً، لجأت بعض الشخصيات السياسية إلى خطابات الشرذمة والخوف والتخوين، في استعادة للغة الحرب الأهلية التي مزقت البلاد قبل أكثر من 40 عاماً.

قبل يومين، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذار إخلاء ضد عدة قرى في الجنوب اللبناني، من بينها كفروة، وهي قرية صغيرة غالبية سكانها من المسيحيين، وتقع في محيط ذي غالبية شيعية، وقد تعايش الطرفان منذ عقود طويلة بأمن ووئام من دون مشاكل تُذكر.

في نيسان/أبريل الماضي، أغلقت بلدية كفروة مدخل القرية ليلاً، في إطار ما سمّته “تنظيم الدخول والخروج في ظل الظروف الراهنة.. وحماية للبلدة”، وجاءت الخطوة في ظل تصاعد خطابات التخويف والتشكيك التي مارستها بعض الشخصيات السياسية والحزبية والإعلامية، والتي طالت مجتمعات النازحين، خصوصاً أبناء الطائفة الشيعية، بما ساهم في تعزيز الانقسام بين اللبنانيين في إحدى أخطر المراحل التي يمر بها البلد منذ استقلاله عام 1943.

إغلاق بلدية كفروة لمدخل القرية المسيحية لم يحمها من الغارات الإسرائيلية، إذ هوجمت مثلها مثل العديد من القرى الأخرى، كالمروانية وكفرجوز والنميرية وتول والكفور والنبطية، التي طالها الإنذار الإسرائيلي بالقصف في ذلك اليوم.

وما بقي في أذهان كثيرين هو ذلك العمود الحديدي الذي سدّ مدخلها ليلاً، وبدا وكأنه محاولة لمنع تدفق النازحين الشيعة والدخول إليها.

بلدة كفروة لم تكن استثناء، قبل أيام، انتشرت صور لجندي إسرائيلي يحطم بمطرقة ضخمة تمثالاً للمسيح في قرية دبل المسيحية القريبة من الحدود مع إسرائيل، ما أثار غضباً عالمياً، وبرغم انتقاد الحكومة الإسرائيلية لتصرف الجندي، سرعان ما ظهرت صورة لجندي إسرائيلي آخر يهزأ من تمثال للسيدة مريم بوضع سيجارة في فمها في قرية دبل أيضاً.

ولم تفرّق الانتهاكات الإسرائيلية كثيراً بين قرى شيعية ومسيحية وسنية، ولم يكن نصيب المسيحيين من هذه الجرائم صغيراً، بما في ذلك قصف كنائس ودور عبادة وتفجيرها، كما في قرية دردغيا أو يارون، أو فرض حصار على السكان المسيحيين في مجموعة من القرى الجنوبية، ما أجبر الفاتيكان على محاولة التدخل لإرسال مساعدات إنسانية إليهم.

ومع ذلك، فإن بعض القيادات المسيحية لم ترفع صوتاً عالياً ضد هذه الانتهاكات الإسرائيلية بقدر ما اتبعت خطاباً يعزز الكراهية بين الطوائف اللبنانية، وتحديداً ضد الشيعة الذين يمثلون غالبية السكان في الجنوب، المؤلف عموماً من مختلف الطوائف اللبنانية، وذلك لسبب سياسي واضح، هو العداء والخصومة مع حزب الله.

ومثل هذه الخطابات، الواضحة ومتعددة المصادر، تبدو خلاصتها في فكرة أن الحرب الإسرائيلية الحالية تمثل فرصة سياسية وأمنية نادرة للتخلص من حزب الله، بل والرهان على إحداث تعديل كبير في أفكار الشيعة ومعتقداتهم.

وقبل يومين، قال النائب سامي الجميل، رئيس حزب الكتائب اللبنانية، الذي كان أحد القوى الأساسية في الفظائع التي شهدتها الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إنه يجب البدء بمواجهة “هذه العقيدة التي يخضع لها بعض اللبنانيين، أي عقيدة الولاء للخارج، والاستشهاد من أجل قضية لا علاقة للبنان بها… لأن لبنان لا يستطيع التعايش مع هذه القضية“.

وهذا ليس تصريحاً نادراً، فقد برزت شخصيات سياسية وإعلامية كثيرة خلال الشهور الماضية تتحدث ليس فقط عن ضرورة التخلص من حزب الله كتنظيم سياسي واجتماعي واقتصادي وإقصائه تماماً من المشهد اللبناني، وإنما أيضاً عن ضرورة التصالح مع إسرائيل وإبرام اتفاقية سلام معها.

وقد لاحظ مراقبون إعلاميون تكثف هذه الأفكار في بعض الوسائل والمنصات الإعلامية المختلفة مؤخراً، فصار بالإمكان سماع مقولات مثل إن الشيعة من مؤيدي حزب الله “لا يشبهوننا”، أو “نريد سفارة لإسرائيل في الأشرفية”، أو تباهي إعلامي تلفزيوني بارز برغبته وحقه في زيارة إسرائيل، أو حتى الدعوة إلى الفيدرالية للفصل بين المكونات الطائفية، أو نشر فيديو في قناة تلفزيونية رئيسية لشخصيات كرتونية تمثل سخرية من زعيم الحزب وعناصره، ما ولّد أياماً من التوتر المذهبي والأمني.

ومع إعلان الأميركيين وقف إطلاق النار في الحرب الإقليمية في منتصف نيسان/أبريل الماضي، خرج رئيس الجمهورية جوزيف عون بخطاب تطرق فيه إلى كلمة “انتحار” ثلاث مرات لينتقد غريزة الموت العبثي “بذرائع القضايا الخارجية”، في إشارة واضحة إلى قرار حزب الله وبيئة المقاومة خوض المواجهة مع إسرائيل، وليمهد لفكرة استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ما أثار ردود فعل حادة من العديد من القوى، وانقساماً متزايداً بين اللبنانيين.

ورغم مثل هذه الخطابات المثيرة للفرقة بالنسبة لكثيرين، ظل لبنان يشهد حالة من التضامن الوطني الواسع لدعم أكثر من مليون نازح من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وهم بغالبيتهم من الشيعة، إلى جانب مكونات أخرى من السنة والمسيحيين.

هذا وتقول نيكول كاماتو، التي تنشط في جهود الإغاثة للنازحين من الجنوب، لوكالة شفق نيوز، إن هناك في الشارع المسيحي جزءاً يعتبر أنه سيكون أفضل حالاً من دون وجود المسلمين، لكن هذا الجزء كان المستفيد من فترة الحرب الأهلية والترويج لها، وهو ما يناسبه.

لكن في الوقت نفسه، وبعدما أشارت كاماتو إلى أن العزلة خلال الحرب الأهلية كانت قاسية على المجتمعات المسيحية، وأن هناك خوفاً من عزلة جديدة في ظل فقدان الثقة بـ”الزعامات المسيحية”، بعدما عانوا النزوح والحصار والاقتتال الداخلي خلال الحرب الأهلية، أوضحت أنها تعتقد أنهم “ينظرون إلى الثمن الغالي الذي دفعوه، فكيف تقنعهم اليوم بالموافقة على تهجير شريحة أخرى من اللبنانيين؟“.

وهناك جو عام من التكاتف بين اللبنانيين برغم التأجيج الإعلامي والسياسي، وقد ساهم سياسيون وإعلاميون أكثر وعياً، إضافة إلى آلاف الناشطين الذين عملوا إلى جانب النازحين، بمبادرات فردية وخاصة، في إغاثتهم ومساندتهم.

كما يساهم فنانون، بحضورهم المؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي، في ظاهرة التآزر هذه، بما في ذلك شخصيات مثل ريتا حايك، وماغي بو غصن، وباسم مغنية، ومروان خوري، وملحم زين، وعاصي الحلاني، وميريام فارس، ونانسي عجرم، ونادين نجيم، حيث شارك بعضهم بشكل مباشر في جهود الإغاثة، ودعوا اللبنانيين إلى مساندة بعضهم البعض.

في غضون ذلك، يرى النائب حسن مراد، وهو من نواب منطقة البقاع الغربي التي يشكل السنة غالبية سكانها، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن “الوحدة الوطنية تبقى هي السلاح الأقوى في وجه جميع التحديات، والانجرار نحو الفتنة لا يخدم إلا مصالح العدو، وهو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يحقق له ما عجز عن فرضه بالعدوان والقتل والدمار“.

كما شدد مراد، الذي ساهم في تسهيل وإيواء النازحين، على “ضرورة التكاتف والتضامن بين أهلنا الضيوف (النازحين) والمقيمين، فمصيرنا واحد، وأمننا مشترك، ولن نحمي بلدنا إلا بوحدتنا وتكاتفنا“.

وفي الشمال، في البقاع، فتحت دير الأحمر، وهي قرية تسكنها غالبية مارونية مسيحية، ما لا يقل عن ستة أماكن لإيواء النازحين من القرى الشيعية والسنية المجاورة لها، خصوصاً من بعلبك، وقدر عددهم بالآلاف.

ويقول شاب ينتمي إلى الطائفة المسيحية، لكنه علماني، إنه “لا يتأثر بمواقف بعض السياسيين وتصريحاتهم النارية، لأن اللبنانيين واحد، والعدو لا يفرق بيننا في حربه، وإذا كانوا هم اليوم، فربما نكون نحن غداً“.

فيما يتحدث نبيل يعقوب، وهو ناشط يشرف منذ شهور عدة على أحد مراكز الإغاثة والإيواء في مدرسة حكومية في بيروت، قائلاً: “أنا من طائفة مختلفة، لكنني أؤمن أن خدمتي للنازحين من طائفة أخرى هو واجب إنساني منطلق من وطنيتي، نحن جميعاً أبناء هذا الوطن، وهذا الواقع يدفعني للتأكيد أن التكاتف بين الطوائف هو ما يقودنا نحو مستقبل أقوى“.

ويوضح يعقوب، لوكالة شفق نيوز: “التنوع هو قوتنا، وكل طائفة تسهم في بناء هذا المجتمع، وفي هذه المرحلة يجب أن نرتفع فوق الخلافات الدينية والسياسية، ونتحد في خدمة شعبنا، فالكرامة والعدالة تجمعنا جميعاً، وكل ما يصيب أي مكون من مكونات المجتمع اللبناني يمس بكرامة وعزة كل اللبنانيين“.

وتابع قائلاً إنه “من منطلق إنساني ووطني، نحن نخدم الإنسان بغض النظر عن طائفته، لأن لبنان هو الهدف، وهو الذي يجمعنا جميعاً”.

اترك تعليقًا

عرض
Drag