مجلس السلام في غزة يتجاهل جذور المشكلة المتمثلة في الاحتلال….
بقلم اسماعيل التلاوي
على إثر خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين لوقف إطلاق النار في غزة، والتي وافقت عليها حركة حماس، ورحبت بها الأطراف العربية بما في ذلك السلطة الفلسطينية، جاءت مبادرة الرئيس ترامب لتشكيل ما سماه مجلس السلام، والذي دعا العديد من الدول العربية والأجنبية للانضمام إليه بما في ذلك إسرائيل، وبالمقابل تغييب متعمد للشرعية الفلسطينية المعترف بها دوليا، والاكتفاء بتشكيل لجنة تكنوقراط تتلقى التعليمات بتنفيذ ما يطرحه المجلس التنفيذي المنبثق عن مجلس السلام برئاسة ترامب، الأمر الذي يجعل أي مسمى أو أي إطار دولي يتم تشكيله بهذه الطريقة لتحقيق السلام في المنطقة، دون إشراك الطرف الفلسطيني الشرعي المعترف به من الأمم المتحدة والمتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، يفتقر إلى أحد أهم مرتكزات النجاح، إذ كيف يمكن أن يتشكل مجلس للسلام، لإرساء السلام والامن والاستقرار في الأراضي الفلسطينية، دون مشاركة وموافقة أصحاب الحق والأرض؟!! لذلك تشكيل مجلس السلام والأطر المنبثقة عنه بما في ذلك اللجنة الإدارية بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة مثل هذه الأطر على تحقيق سلام حقيقي في غزة، إلا إذا كان الهدف الحقيقي من تشكيل المجلس تفريغ القضية الفلسطينية من محتواها كقضية تحرر وطني ذات أبعاد قانونية وسياسية، وجعلها قضية إنسانية، لذلك إشراك دول عربية وأجنبية إلى جانب إسرائيل، في مجلس السلام ، قد يفضي إلى ترتيبات مؤقتة أو حلول تقنية تتعلق بإدارة الأزمات، لا إلى سلام عادل ومستدام. بل إن هذا النهج قد يعمّق فجوة انعدام الأمل والثقة بتحقيق الأمن والسلام، ويحدث شكوكا وتخوفا لدى الفلسطينيين في الضفة الغربية أن يتم تطبيق نفس النموذج على سكان الضفة الغربية التي تتعرض إلى حصار مالي خانق، وجعل السلطة الفلسطينية ومؤسساتها تعيش في أزمة اقتصادية غير مسبوقة،…فتشكيل مجلس سلام، يتجاهل الشرعية الفلسطينية لا يستند إلى معالجة جذور القضية الفلسطينية، فهو بالتالي لا يعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويقفز عن مئات القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، سيبقى هذا المجلس عاجزًا عن تحقيق الاستقرار والسلام، بل سيزيد من الانقسام الجغرافي بين غزة والضفة…وأمام هذا الوضع المعقد في غزة، تقع على عاتق القيادة الفلسطينية المسؤولية التاريخية لإعادة بناء دورها الطبيعي، في ربط الأراضي الفلسطينية المحتلة جغرافيا وسياسيا طبقا للاتفاقيات وقرارات الشرعية الدولية.. ومن أجل تحقيق ذلك لابد من إنهاء الانقسام المخزي الذي مضى عليه اكثر من سبعة عشر عاما، فلم يبقى في غزة شيئا للتسابق على حكمه، هناك شعب ينتظر الخلاص من الظلم والقهر الذي عاشه على مدى سنوات طويلة وبخاصة خلال السنتين الماضيتين، فشعبنا في غزة بحاجة إلى من يحتضنه وليس لمن يحكمه.. بحاجة إلى تعزيز صموده على أرضه وتوفير كل المقومات التي من شانها منع تهجيره سواء كان قسريا او طوعيا… فالوحدة الوطنية شرط أساسي لاستعادة الشرعية السياسية الفلسطينية، ومخاطبة العالم عبر تحرك دبلوماسي فلسطيني واسع في الأمم المتحدة ودول العالم وعبر محاكم الجنايات والعدل الدولية، على ان يرافق هذا التحرك مقاومة شعبية سلمية شاملة ومستدامة، وتضامن عربي وإسلامي حقيقي، وتحالف دولي مؤمن بالحقوق السياسية الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني…. فأمامنا فرصة حقيقية لابد من استثمارها في تحركنا على كل المستويات لفرض الحضور الفلسطيني الشرعي على طاولة القرار الإقليمي والدولي، فقد رفضت دول أوروبية ذات تأثير كبير في الشرق الاوسط بقيادة فرنسا الانضمام لمجلس السلام في غزة بسبب أن هذا المجلس يقوض دور الأمم المتحدة في تحقيق السلم والأمن الدوليين، ويضر بمكانة ومبادئ منظمة الأمم المتحدة الاطار الأممي الشرعي الوحيد في العالم، ويرفض الصلاحيات المطلقة التي يمنحها المجلس للرئيس ترامب لاتخاذ القرارات والتحكم في أعضائه، ويضع المجلس تحت قيادة فردية…. فإقامة السلام العادل في منطقة الشرق الاوسط، يكمن عبر الإقرار والاعتراف بالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني، وبمشاركة كاملة لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.. وبدون معالجة جذور الصراع المتمثل في إنهاء الاحتلال في فلسطين، يبقى تشكيل مجلس السلام بهدف استمرار إدارة الصراع دون حله، وتبرئة الاحتلال من مسؤوليته القانونية والاخلاقية عن حربه في غزة …
