Skip links

هل يشهد النظام الإيراني تغييرًا قريبًا؟ بين الحراك الداخلي وحرب الأعصاب الدولية

الدكتور رافع سحاب الكبيسي

تشهد إيران لحظة مفصلية في تاريخها السياسي، حيث يتصاعد حراك شعبي واسع يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام وطبيعة التحول المحتمل. وفي الوقت نفسه، تتعرض إيران لضغوط خارجية متزايدة، تعتمد فيها القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أساليب التهديد والتفاوض كأدوات حرب نفسية وإدارة إدراك. تهدف هذه الورقة إلى دمج البعدين الداخلي والخارجي لفهم مسار التغيير المحتمل في إيران، وانعكاساته الإقليمية، وحدود تأثير الضغوط الدولية مقابل الفعل الشعبي الوطني.

أولًا: طبيعة الحراك الشعبي داخل إيران

تشير المعطيات إلى أن إيران تمر بحراك شعبي واسع النطاق، يشبه من حيث الحجم ثورة عام 1979، لكنه يختلف عنها في التوجهات. فالمطالب الحالية تميل نحو التحرر من القيود الدينية، وتتبنى خطابًا اجتماعيًا وسياسيًا واقعيًا، مع تصاعد الدعوات للعلمانية وتوسيع الحريات. هذا الحراك تجاوز مرحلة الاحتجاجات المطلبية، وأصبح يحمل سمات تغيير بنيوي في العلاقة بين المجتمع والنظام.

ورغم اتساعه، لا يزال الحراك متقدمًا على التنظيم السياسي، ما يجعل نتائجه مفتوحة على عدة سيناريوهات.

ثانيًا: غياب القيادة البديلة وإشكالية التنظيم

حتى الآن، لا توجد قيادة سياسية بديلة تحظى بإجماع شعبي داخل إيران. الشخصيات المعارضة التقليدية خارج البلاد لا تمتلك حضورًا مؤثرًا في الداخل، بينما لم تتبلور بعد قيادة جديدة من رحم الحراك. هذا الفراغ القيادي يمنح الحراك قوة ضغط شعبية، لكنه في الوقت نفسه يؤخر الانتقال المنظم للسلطة، ويجعل مسار التغيير أكثر حساسية.

ثالثًا: حرب الأعصاب الدولية وإدارة الصراع مع إيران

في موازاة الحراك الداخلي، تتعرض إيران لضغوط خارجية تعتمد على أسلوب مزدوج: التهديد العسكري من جهة، وفتح باب التفاوض من جهة أخرى. هذا الأسلوب، الذي برز بوضوح في سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لا يهدف بالضرورة إلى الحرب المباشرة، بل إلى استنزاف الخصم نفسيًا، وإرباكه استراتيجيًا، ورفع كلفة قراراته.

التناوب المفاجئ بين التصعيد والتفاوض يمنع الطرف الإيراني من بناء استراتيجية مستقرة، ويضعه في حالة ترقب دائم. إنها حرب إدراك أكثر منها حرب سلاح، حيث يُستخدم الغموض وعدم القدرة على التنبؤ كأداة ضغط مستمرة.

رابعًا: التهديد الخارجي وحدوده في صناعة التغيير

رغم حدة الخطاب الأمريكي والتهديدات المتكررة، فإن البيئة الدولية الحالية، التي تتسم بتوازن قوى شبيه بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، تجعل خيار التدخل العسكري المباشر في إيران مكلفًا وخطيرًا. بل إن أي ضربة خارجية قد تمنح النظام الإيراني مبررًا لتعبئة الداخل، وإضعاف الحراك الشعبي بدلًا من دعمه.

لذلك، يبقى الضغط النفسي والاقتصادي أداة تأثير، لكنه لا يشكّل ضمانًا لإحداث تغيير حقيقي ما لم يتكامل مع فعل داخلي مستقل.

خامسًا: سيناريو التغيير من داخل النظام

الاحتمال الأبرز يتمثل في انتقال منظم للسلطة من داخل النظام نفسه، عبر إصلاحات أو إعادة توزيع مراكز القوة، بهدف الحفاظ على وحدة الدولة ومنع التدخل الخارجي. هذا السيناريو قد يكون أقل كلفة على إيران والمنطقة، ويتيح تحولًا تدريجيًا بدل الانهيار المفاجئ.

نجاح هذا المسار مرتبط بقدرة النظام على استيعاب مطالب الشارع قبل وصولها إلى نقطة اللاعودة.

سادسًا: العامل القومي وإعادة تشكيل الهوية السياسية

التعدد القومي داخل إيران يفرض تحديًا إضافيًا لأي مرحلة انتقالية. فالتغيرات الديمغرافية والوعي المتزايد لدى القوميات غير الفارسية قد يفرضان ظهور قيادة جديدة تستوعب هذا التنوع. وقد لا تكون الزعامة القادمة فارسية بالضرورة، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف الهوية السياسية للدولة الإيرانية في مرحلة ما بعد النظام الحالي.

سابعًا: الأهواز والطاقة في معادلة الصراع

يمثل إقليم الأهواز مركز ثقل استراتيجي بسبب ثروته النفطية وموقعه الجغرافي المطل على الخليج. لذلك سيكون محور اهتمام داخلي ودولي في أي مرحلة تحول. السيطرة على موارد الطاقة ستبقى عاملًا حاسمًا في رسم موازين القوى داخل إيران وفي علاقاتها الإقليمية والدولية.

ثامنًا: الإقليم بين القلق والاستقرار

دول الجوار، خاصة الخليج وتركيا، تفضّل حدوث تغيير يحافظ على وحدة إيران، لأن تفككها قد يؤدي إلى موجات لجوء واضطرابات تمتد إلى كامل الشرق الأوسط. لذلك فإن الاستقرار المنظم، لا الفوضى، هو الخيار المفضل إقليميًا، حتى لدى الأطراف التي تعارض سياسات طهران الحالية.

تاسعًا: دروس العراق وحدود الرهان على الخارج

تجربة العراق في صراعات القوى الكبرى تبرز حقيقة أساسية: التهديدات الدولية والمفاوضات لا تصنع تحررًا حقيقيًا للشعوب. فقد تحوّل العراق إلى ساحة صراع غير مختار، بينما بقي القرار الوطني رهينة التوازنات الخارجية.

التحرر الحقيقي لا يتحقق بالاعتماد على الخارج، بل بالفعل الوطني الداخلي، وتنظيم الحراك الشعبي، واستقلال القرار السياسي عن صراعات القوى الكبرى. وهذا الدرس ينطبق على الحالة الإيرانية أيضًا: الضغوط الدولية قد تفتح فرصًا، لكنها لا تصنع التغيير ما لم يحسمه الداخل.

سؤال النقاش المركزي: هل يتجه النظام الإيراني إلى انتقال منظم يحافظ على وحدة الدولة، أم يؤدي تجاهل مطالب الحراك الشعبي مع استمرار الضغوط الخارجية إلى سيناريوهات غير محسوبة؟

كما لابد لنا في هذا السياق من طرح مجموعة من الاسئلة: ما هي فرص نجاح التغيير الداخلي مقابل التغيير القسري؟ وما هو مستقبل القيادة السياسية في إيران؟ وما هو  دور حرب الأعصاب الدولية في توجيه الصراع؟ وما هي أهمية الأهواز والطاقة في المعادلة المقبلة؟ وما هو تأثير التغيير الإيراني على أمن واستقرار المنطقة؟

الخلاصة ان إيران تقف أمام مفترق طرق تاريخي. الحراك الشعبي يضغط من الداخل، والضغوط النفسية والاستراتيجية تُمارَس من الخارج. لكن مسار التغيير الحقيقي سيتحدد بمدى قدرة الإيرانيين على بناء فعل وطني مستقل، يستثمر اللحظة التاريخية دون الارتهان للتهديدات أو الوعود الخارجية. شكل التغيير وطريقته لن يحددا فقط مستقبل إيران، بل مستقبل التوازنات الإقليمية بأكملها في السنوات القادمة.

اترك تعليقًا

عرض
Drag