انكسار الديمقراطية العراقية
مشتاق الربيعي
منذ انتخابات عام 2010 بدأت ملامح نهاية الديمقراطية التشريعية في العراق تتشكل بوضوح. فقد فازت القائمة العراقية بزعامة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور إياد علاوي، وكان من المفترض أن يؤسس ذلك لمرحلة جديدة من التداول السلمي للسلطة وفقًا لنصوص الدستور.
إلا أنّ الضغوط السياسية التي مورست على المحكمة الاتحادية أفضت إلى تفسير مثير للجدل لمفهوم “الكتلة الأكبر”، حيث اعتُبرت الكتلة الأكبر هي التي تتشكل بعد الانتخابات وليس التي تفوز عبر صناديق الاقتراع. هذا التفسير غيّر قواعد اللعبة السياسية، وجعل الإرادة الانتخابية تخضع لمنطق التوافقات الحزبية، لا لمنطق النص الدستوري.
ولم يكن هذا الأمر عابرًا، إذ تكرر لاحقًا مع قائمة “سائرون” بزعامة السيد مقتدى الصدر، ما أكد أن الدستور قد وُضع فعليًا على الرف، وأن العملية السياسية أصبحت تُدار عبر فتاوى سياسية مؤقتة تخدم مصالح القوى النافذة أكثر مما تخدم الدولة أو المواطن.
ومما زاد من تعقيد المشهد أن غالبية القوى السياسية تمتلك أجنحة مسلحة، في مخالفة صريحة لما نص عليه الدستور من احتكار الدولة للسلاح ومنع الجمع بين القوة العسكرية والعمل السياسي. وهكذا تحولت الانتخابات إلى طقس شكلي يُفتح الصندوق فيه علنًا، بينما تُحسم النتائج خلف أبواب التوافقات.
ثم دخل العراق مرحلة اختيار رؤساء الحكومات وفق مبدأ “التوافق السياسي” لا نتائج الاقتراع، كما حدث مع حكومات السيد عادل عبد المهدي، والسيد مصطفى الكاظمي، والسيد محمد شياع السوداني، التي جاءت جميعها من خارج الإرادة الانتخابية المباشرة.
ومع استمرار هذه الممارسات، تراجعت نسبة المشاركة في الانتخابات خلال الدورات الأخيرة، وازدادت حالة العزوف عن صناديق الاقتراع، وهو تراجع يثير تساؤلات عديدة حول جدوى العملية الديمقراطية في ظل هذه المخالفات السياسية والدستورية. ومن المفارقة أن تشهد نهاية كل دورة انتخابية مباركات دولية روتينية فيما الداخل يفقد ثقته بالنظام السياسي ذاته.
ومع تراكم هذه الإخفاقات، نشأت أزمة انعدام ثقة بين الدولة وأبنائها المواطنين. وإذا كان العراق يريد إعادة بناء هذه الثقة، فعلى الدولة أن تجري إصلاحات جوهرية في مسار العملية السياسية، في مقدمتها تعديل قانون الانتخابات، واعتماد نظام رئاسي بدلًا من النظام البرلماني الذي أفرز فوضى سياسية واسعة وإخفاقات واضحة في إدارة الدولة.
وفي هذا السياق، لا يكفي الاكتفاء بتغيير بعض الوجوه السياسية أو إطلاق الشعارات، بل لا بد من إجراء تعديلات دستورية حقيقية تعالج جذور الخلل البنيوي في النظام السياسي العراقي. وينبغي أن تتم هذه التعديلات عبر استفتاء شعبي مباشر من أجل ترسيخ الديمقراطية واستعادة شرعية النص الدستوري، لأن الشعب هو صاحب الحق في تحديد طبيعة النظام وشكل الحكم الذي يريده، وليس التوافقات السياسية المغلقة.
إلى جانب ذلك، تفاقم الفساد حتى أصبح يضرب معظم مفاصل الدولة. والمفارقة أن مكافحة الفساد باتت موضوعًا مثيرًا للجدل، فالجهات الرقابية لم تتمكن حتى الآن من تقديم إجراءات حقيقية تلاحق كبار الفاسدين أو تستعيد الأموال العامة. ومن الضروري في هذا السياق تفعيل قانون “من أين لك هذا؟” على جميع المسؤولين بلا استثناء، لأن معظمهم كان وضعه المالي قبل الوصول إلى السلطة متواضعًا، بينما أصبح اليوم من أثرياء العراق، بل وبعضهم من أثرياء المنطقة والعالم.
وإذا استمر هذا المسار، فإن العراق يسير نحو نموذج جديد من الدكتاتورية، ليست دكتاتورية الفرد كما في الماضي، بل دكتاتورية الأحزاب السياسية الكبرى التي تتحكم بمفاصل الدولة وتديرها وفق مصالحها لا وفق إرادة الشعب.
كاتب عراقي
