Skip links

تاريخ أزمة الأمة العربية

فيجا ابو شربي

الحلقة الثانية:
الحداثة المشوّهة وأزمات الداخل: نحو مشروع نهضوي يعيد بناء الإنسان

ثم جاءت صدمة الحداثة، لتضع الأمة في حالة ارتباك حاد بين ماضٍ لم تستطع الفكاك منه، وحاضر عالمي لم تُحسن الاندماج فيه. وفشلت النخب الفكرية والسياسية في صياغة مشروع متوازن يجمع بين الأصالة ومتطلبات العصر. فبرز تيار يتشبث بالتقليد دون إدراك لروح الزمن، وآخر يندفع نحو الحداثة حتى الذوبان فيها، بينما بقيت الأغلبية عالقة بين الطرفين، بلا بوصلة واضحة ولا رؤية جامعة.
اقتصاديًا، تعمّقت الأزمة نتيجة تحوّلات أصابت البنية الاجتماعية والذهنية معًا. فقد انتقل المجتمع تدريجيًا من ثقافة الإنتاج إلى ثقافة الاستهلاك، وتغيّر مفهوم العمل والثروة والمعرفة. ساد وهم أن الرفاه يمكن تحقيقه دون صناعة أو ابتكار أو جهد طويل النفس، وأن الثروة تُنال من مصادر سريعة لا من بناء اقتصادي متين قائم على العمل والتنافسية. ومع هذا الانزلاق نحو الاستهلاك، تراجعت قيمة الحِرَف، وضعف تقدير المهارات، وانكمش احترام العمل المنتج أمام بريق الأرباح السهلة. وهكذا، لم تكن الأزمة الاقتصادية في جوهرها أزمة موارد أو تخطيط فحسب، بل أزمة وعي فقد إيمانه بقدرته على الإنتاج، وفضّل انتظار الخلاص من الخارج بدل أن يصنعه بيديه.
أما التعليم، فقد أصابه تآكل ممتد عبر الزمن. فالمدارس التي كان يفترض أن تكون معامل لصناعة الوعي والفكر تحولت الى النقل وأهملت العقل، والمناهج ظلّت تدور في حلقة التكرار دون تطوير حقيقي يواكب تحولات العصر. كان هذا القطاع مؤهلًا لأن يكون رافعة للنهضة، لكنه انزلق ليصبح جزءًا من الأزمة بدل أن يكون حلًا لها.
وتعمّقت الجذور الثقافية للأزمة مع انحدار الذائقة العامة نحو السطحية. فالإعلام الذي كان يُفترض أن يقود الرأي العام نحو الوعي، صار في كثير من الأحيان أداة لتكريس الجهل، أو تعزيز الانقسام، أو صناعة أوهام زائفة. أما الإبداع، فقد ضاق فضاؤه في مجتمع يخشى السؤال، وينفر من النقد، ويعاقب الاختلاف.
تراكمت هذه العوامل جميعها—من الاستعمار، إلى الدولة المختلة، إلى حداثة مشوهة، واقتصاد استهلاكي، وتعليم عاجز، وثقافة مشتتة—كطبقات ثقيلة فوق صدر الأمة. لم تولد الأزمة دفعة واحدة، ولم تُفرض خارج سياق الزمن، بل شُيّدت لبنة بعد أخرى، حتى وصلت الأمة إلى حاضر يبدو فيه الوقوف بثبات مهمة شاقة.
ولا أرى سبيلا الى الخروج من مأزق الأمة الإ بإعادة بناء الوعي، وإصلاح التعليم، وإحياء ثقافة العمل والإنتاج، وتحرير العقل من التبعية، وإعادة الاعتبار للثقافة والإعلام المسؤول، ضمن مشروع نهضوي جامع يعيد للإنسان ثقته بذاته وقدرته على صناعة مستقبله.

اترك تعليقًا

عرض
Drag