حين تلتقي عمّان ببغداد… يصبح الشعر وطنًا
لم تكن الأمسية الثقافية التي احتضنتها عمّان مجرّد احتفاء باسمٍ شعري كبير، بل لحظة عربية صافية التقت فيها الذاكرة بالمعنى، والتاريخ بالوجدان. في حضور الشاعر حميد سعيد، بدت بغداد أقرب من أي وقت مضى؛ لا كمدينة بعيدة، بل كصوتٍ حيّ يسكن القصيدة، وضميرٍ لم ينقطع عنه النبض يومًا.
هذا التكريم، الذي جرى الإعداد له بعناية ووعي، جاء ليؤكد أن الثقافة حين تُدار بروح مسؤولة تصبح موقفًا، لا مناسبة، ورسالة، لا بروتوكولًا. لقد استطاعت عمّان، بما تملكه من رصيد أخلاقي وثقافي، أن تقدّم نموذجًا راقيًا للاحتفاء بالمبدع العربي؛ احتفاءً يُنصت للتجربة قبل أن يصفّق للاسم، ويقرأ المعنى قبل أن يكرّم المنجز.
حميد سعيد لم يكن شاعر منفى، بل شاعر وطن حمله معه أينما حلّ. تنقّل بين الأمكنة، لكن العراق ظلّ مقيمًا في لغته، في إيقاعه، في حزنه النبيل، وفي إيمانه بأن الكلمة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال الوفاء. لم يكتب عن بغداد من الخارج، بل كتبها من الداخل، من عمق الوجع والأمل معًا.
اختيار عمّان لم يكن تفصيلًا عابرًا؛ فهذه المدينة، بتاريخها وموقفها وثقافتها، لطالما كانت حاضنة للمعنى العربي الهادئ، العميق، غير المتاجر بالشعارات. وفي هذه الأمسية تحديدًا، بدا الأردن والعراق وكأنهما صفحة واحدة في كتابٍ واحد، يجمعهما الهمّ والمصير، وتربطهما عروبة تُختبر بالفعل لا بالكلام.
الكلمات التي قيلت لم تكن مجاملات، بل شهادات صادقة على تجربة شاعر ظلّ وفيًّا لفكرته، وعلى علاقة ثقافية تتجاوز الظرف واللحظة. كان واضحًا أن التكريم لم يقتصر على شخص، بل امتدّ ليشمل قيمة، ومسارًا، ورؤيةً ترى في الثقافة جسرًا، لا جدارًا.
وبرأيي، فإن مثل هذه الأمسيات تؤكد أن الشعر الحقيقي ما زال قادرًا على أداء دوره التاريخي: أن يجمع، وأن يُذكّر، وأن يرمّم ما تصدّع في الوعي العربي. لقد غادر الشاعر القاعة مكرَّمًا، لكن الأهم أن المعنى غادر حاضرًا، وأن عمّان أكدت مرة أخرى أنها مدينة وفاء لا نسيان، ومدينة موقف لا عابر طريق.
كانت أمسية عربية بامتياز، قال فيها الشعر ما عجزت عنه السياسة، وربط بين بغداد وعمّان بخيطٍ من الذاكرة والصدق والانتماء.

