مستقبل الهوية العراقية
مشتاق الربيعي
يشهد العراق في السنوات الأخيرة حالة من التذبذب السياسي والاجتماعي، وسط مطالبات واسعة بإعادة هيكلة النظام السياسي وتصحيح مساره بعد عقود من التراجع وتشتت الهوية الوطنية. ورغم تعاقب الحكومات وتغير الوجوه، ما يزال المشهد العام يعاني من آثار سياسة المحاصصة التي أرهقت البلاد، وعمّقت الفوارق بين أبناء الوطن الواحد.
هوية وطنية في مهبّ التجاذبات
لقد تعرّضت الهوية الوطنية العراقية لانتكاسات متتالية بفعل السياسات القائمة على توزيع المناصب وفق الانتماءات الطائفية والقومية، بدلًا من الكفاءة والقدرة على خدمة العراقيين كافة. ومع مرور الوقت، أصبح الانتماء الفرعي معيارًا أكثر حضورًا من الانتماء الوطني، ما أفقد الدولة توازنها وأضعف مؤسساتها، وجعل المواطن يشعر بأن حقوقه تُحتسب وفق بطاقة تعريفه المذهبية أو القومية وليس بصفته عراقيًا.
ولم يكن هذا النهج مجرد سلوك سياسي، بل تحوّل إلى ثقافة حكمٍ تُدار بها الدولة، الأمر الذي أدّى إلى اهتزاز الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وتآكل الشعور بالانتماء إلى وطن موحّد قُوّضت أركانه لصالح مصالح ضيقة.
أصوات وطنية… قليلة العدد قوية الموقف
ورغم قتامة المشهد، ما تزال هناك قوى وطنية—قد لا تمتلك النفوذ لكنها تمتلك الرؤية—ترفع شعار المواطنة وتطالب بدولة مدنية عادلة لا تُقصي أحدًا ولا تمنح الامتيازات بناءً على الانتماءات. هذه القوى وإن كانت مهمّشة، إلا أنها تمثل الأمل الأخير في إعادة بناء هوية جامعة قادرة على لملمة جراح العراقيين المتراكمة.
حكومة جديدة… ومسؤولية استعادة الثقة
أمام الحكومة المقبلة تحديات جسيمة، ليس أقلها إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة وإعادة صياغة العلاقة بينها وبين المواطن. فالمرحلة القادمة تتطلب خطوات جدية وشجاعة لإنهاء نهج المحاصصة الذي ثبت فشله، والعمل على إصلاح مؤسسات الدولة وتحريرها من هيمنة القوى المتنفذة.
إن أول اختبار حقيقي لأي حكومة سيكون قدرتها على اتخاذ قرارات تصب في مصلحة جميع المواطنين دون تمييز، وأن تُظهر إرادة واضحة في تعزيز السلم المجتمعي، وحماية الوجود الوطني من التفكك الذي قد يقود البلاد نحو مزيد من الأزمات.
الإصلاح… مشروع وطني لا خيار آخر أمامه
إن العراقيين بحاجة إلى مشروع وطني شامل يعيد الاعتبار للهوية العراقية ويمنحهم الثقة بمستقبل أفضل. هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق بخطاب سياسي منمّق، بل بإجراءات ملموسة تستند إلى العدالة، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتكافؤ الفرص، واحترام حقوق الإنسان.
فالدولة التي تُدار وفق الكفاءة لا المحاصصة، وبمفهوم المواطنة لا الانتماء الضيق، هي وحدها القادرة على تحقيق الاستقرار الحقيقي الذي طال انتظاره، وهي وحدها القادرة على تحويل العراق إلى بلد يستحقه أبناؤه.
العراق اليوم أمام منعطف تاريخي؛ إما أن يُعاد بناؤه على أسس وطنية سليمة تتجاوز الجراح والانقسامات، أو يبقى أسيرًا لدوامة الأزمات التي أنهكت شعبه. ويبقى الأمل معلّقًا بوعي العراقيين وإرادة السياسيين الشرفاء الذين لا يزالون يؤمنون بوطن يستحق أن يُبنى من جديد
