مؤاشرات الذاكرة
المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان
الحلقة الاولى
حين هاتفني الصّديق فوزي الراوي (عضو القيادة القومية لحزب البعث – سوريا) إلى فندق «الفردوس تاور» (برج الفردوس) بدمشق، سألني إنْ كنتُ أعرف سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي، وقبل أن ينتظر جوابي قال: إنه يعرفك جيداً، ثم خاطبه قائلاً: تكلّم مع د. عبد الحسين شعبان، بعد أن نقل سمّاعة الهاتف إليه، وجاءني صوته رهيفاً وعميقاً ومؤثّراً بالسّلام والسؤال عن الصّحة والعائلة، وأنه من المتابعين جداً لكتاباتي ومواقفي. ولكي أتأكّد مَنْ يكون محدّثي سألته: ما الذي يربطك بآية اللّه الإمام السيد محمّد الحسني البغدادي؟ فقال: إنه جدّي، فقلت له: إذاً أنت نجل السيد كاظم، فقال: نعم، فقلت له: وصلنا إلى حيث المشترك.
والحسني البغدادي الكبير هو الفقيه الموسوعي الثقافة والمنشغل بالتاريخ مفهوماً ومنهجاً ورؤية فلسفية، وخصوصاً التاريخ الإسلامي القديم، ولاسيّما «الرسالة المحمّدية» وما بعدها في «الخلافة الراشدية». وينتمي لأسرة علمية ضمّت العديد من الفقهاء والمحقّقين والشّعراء، وكانوا يلقّبون بآل العطار نسبة إلى جدّهم الأكبر السيّد «محمّد العطار»، الذي كان في سوق العطارين في منطقة الشورجة ببغداد.
والإمام محمد الحسني البغدادي هو ابن صادق بن محمد بن راضي بن حسين بن أحمد بن محمد العطار البغدادي، ويتواشج نسبه بالسيد الحسن المثنّى بن الإمام الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، وقد وُلد في مدينة النّجف في 25 حزيران (يونيو) 1881. وتتلمذ على يد والده وعدد من أفقه علماء عصره مثل الآخوند ملّا محمّد كاظم الخراساني وشيخ الشّريعة الأصفهاني ومحمّد سعيد الحبوبي وباقر الجواهري وضياء الدّين العراقي والميرزا محمّد حسين النائيني، الذي ظلّ ملازماً له نحو عقدين من الزمان.
وأظهر الحسني البغدادي تفوّقاً متميّزاً، واهتمّ منذ مراحل دراسته الأولى بالتاريخ العربي – الإسلامي إلى جانب الفقه والأصول والأدب، وحصل على مرتبة الاجتهاد عشية ثورة العشرين، ولم يكن قد بلغ نهاية عقده الرابع، حيث تفرّغ للبحث والتدريس. وهو «المدرّس الفقيه»، و«الفقيه المدرّس» على حدّ تعبير الباحث الأديب حميد المطبعي، الذي يقول عن مجلسه الأدبي إنه أثمر عن مجادلات فكريّة منفتحة.
ومن أهمّ مؤلفاته بحثه الجامع الموسوم «التحصيل في أوقات التعطيل»، ويقع في 6 أجزاء، ولم يُطبع منها سوى الجزء الأوّل والثّاني والثّالث والرّابع (مؤسّسة دار النبراس، النّجف، 2005)، وكما علمت من السيد الحسني البغدادي (الحفيد) بأن الأجزاء المتبقية ما زالت مخطوطة، الأمر الذي يقتضي بذل الجهود وتقديم الدعم لكي يرى الجزءان الأخيران النّور، ويطّلع عليهما الباحثون بشكل خاصّ والقرّاء بشكل عام، خصوصاً وأنهما جزء من سفر واسع في التاريخ والأدب والرجال والعقائد والفقه والأصول. وكذلك كتبه «خير الزاد ليوم المعاد» و«مناسك الحج» و«حاشية على العروة الوثقى» (1956) و«أرجوزة الصوم والاعتكاف والخُمس» وكُتُب أخرى لعلّ من أهمّها كتاب «وجوب النهضة لحفظ البيضة» (1967) وقد حققه «الحفيد» أحمد الحسني البغدادي وأطلق على تسميته «وجوب النهضة – رؤية تأسيسية استباقية حول الجهاد الدفاعي» الذي سنأتي على ذكره .
وعُرف عن الحسني البغدادي، صلابة الموقف وشجاعة الرأي والوضوح في التعبير، إضافة إلى الوطنية العراقية والتوجّه العروبي الوجداني. وقد توفّي في 2 كانون الأوّل (ديسمبر) 1973، بعد مسيرة طويلة حفلت بمواقف سياسية جريئة ووجهات نظر دينية إشكالية شكّلت أحد أبرز ملامح شخصيته.
قال لي السيّد أحمد الحسني البغدادي «حفيد» البغدادي الكبير: «أنتم أخوالنا»، فعدتُ بذاكرتي إلى النّجف وإلى نحو أربعة عقود مضت وكنّا حينها في أواخر التسعينات، وحاولت أن أستعيد صورة السيد أحمد «الحفيد»، خصوصاً حين اعتمر العمامة في مطلع الستينات، وكان يومها فتى نحيفاً حتى إن عدّة ملابس رجل الدّين والعباءة الخفيفة التي ارتداها كانت تبدو فضفاضة عليه، وفي وجهه النّحيل المتّسم بالسماحة والطيبة، أخذت تنبتُ شُعيرات سوداء، حيث يكتمل المشهد مع العمامة السوداء والسالفين السوداوين والحاجبين اللّذين يعلوان عينيه المشعّتين الموحيتين بالكثير من الانتباه واليقظة.
وكان السيد «الحفيد» حين يحاول أن يداري خجله أحياناً ترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة، ليزيل الحاجز، فيبدأ بالحديث أو بالسلام وأحياناً بالأسئلة. تذكّرت ذلك الفتى «الملاّئي» كما كنّا نقول، وهو يستقبل زوّار مجلس جدّه العامر ذي المنزلة الرفيعة والمهابة الكبيرة والجرأة المعهودة. وكانت «الملّائية» وصفاً نعتمده في تصنيف بعض أبناء العوائل الدينية في الحوزة الدراسية، وذلك للتفريق بينهم وبين العوائل الدينية الأخرى ممّن انخرطوا في الحضرة العلوية بموجب فرامين سلطانية منذ عهد الدولة العثمانية.
وإذا كان «الملّائيون» يعتمرون العمائم السوداء (السادة الذين ينتسبون إلى الرسول) أو البيضاء (لباس رجال الدين في الحوزة من غير السادة)، فإن خدم حضرة الإمام علي، كانوا يضعون «الكشيدة» على رؤوسهم وهي طربوش أحمر اللون يتميّز بها «السيد» الذي ينتسب إلى الرسول عن «العامي» خادم الحضرة من غير السادة، حيث يلفّ الأول الشريط الأخضر وسطها وحتى أسفلها، في حين يلفّ غير السيّد الشريط «البيج» المائل إلى الأصفر والسكّري، وهؤلاء توارثوا «المهنة» عن الآباء أيضاً، ومن بينهم عدد كبير من أفراد عائلتنا، على الرغم من أن جدّي لأبي «جابر شعبان» وقبله والده الشيخ جواد شعبان وجدّي لأمي «حمّود شعبان» ووالده عبد الحسين شعبان امتهنوا التجارة وسلكوا طريق العمل المهني ودفعوا بأبنائهم إلى الجامعات، فتخرجوا أطباء ومحامين ومن كلّيات مختلفة، مع أنّه كان يحقّ لهم بحكم الفرامين السلطانية الخدمة في حضرة الإمام علي، لكنهم فضّلوا العمل الحر والتجاري تيمّناً بآبائهم، فاحتفظوا بمكانتهم الدينية والاجتماعية، إضافة إلى مكانتهم التجارية والمالية.
استعدتُ تلك الصور مثل شريط سينمائي يمرّ من أمامي وأنا في حديث شيّق وممتع عن الذكريات حين زارني السيد الحسني البغدادي «الحفيد» يوم كنت أمكثُ في فندق «الفردوس تاور» بدمشق، وأخذت أسترجع تفاصيل تلك الأيام مع نفسي، حيث كانت الأضداد تتجاور أحياناً في هارموني متناسق، لكن الزمن والظروف التي مرّ بها العراق غيرّتها، وأخذ التباعد يزداد شقّة واتّساعاً.
وقد رويت في مقالة كتبتها عن المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر (أواخر التسعينات) «حلّق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة» نشرت في صحيفة المنبر التي كان يصدرها السيد حسين هادي الصدر في لندن، وفي مناسبات أخرى لبعض قضايا التعايش والصّراع والحوار، لاسيّما بين الشيوعيين والإسلاميين، إنه في الوقت الذي كانت العائلة الواحدة والزقاق الواحد والمحلّة الواحدة تضم دينيين وغير دينيين، متديّنين وغير متديّنين، شيوعيين وبعثيين وقوميين وإسلاميين، حيث لم تجد ضيراً أو بأساً في تلك الاختلافات والتعارضات التي كانت تمثّل شكلاً مميّزاً من الفسيفساء الجميلة أو الموزائيك بتعدّد الصور والمشاهد، فإذا بتلك اللّوحة تتشقّق وتنثلم وتتشوّه بعض ألوانها، في حين أنها كانت تعبّر عن طبيعة منسجمة للمجتمع العراقي المتعايش المتفاعل والمختلف في آن، حيث يجتمع الكلُّ في إطار «حق» لم يمنحه أحد لأي أحد، لكن الجميع ظلّ يتشبّث به ويحاول الدفاع عنه وأعني بذلك «حق الاعتقاد». للبحث صلة.

