مؤاشرات الذاكرة
المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان
الحلقة الثانية
تربّى السيد الحسني البغدادي «الحفيد» في كنف جدّه وتعلّم الكثير منه وتذوّق الوطنية من كأسه، وكان قد انصرف وهو في عقده الثاني إلى الدراسة الحوزوية وتلقّى دروسه الفقهية الأولى التي تسمّى بـ «المقدّمات»، حيث يدرس فيها الطالب النحو والصرف والبلاغة والمنطق ومقدمات لدراسة الفقه والتخصّص فيه والبديع والبيان وعلم الكلام، إضافة إلى الفقه والتاريخ. أما المرحلة الثانية فتسمّى بـ «السطوح»، حيث يدرس الطالب المتون الفقهية الاستدلالية، ومتون أصول الفقه التي تتضمّن الآراء العلمية في أية مسألة ومناقشتها ومحاكمتها والاستدلال بالرأي الذي يختاره ويتوصل إليه. وفي المرحلة الثالثة على الطالب أن يقدّم ما اصطلح عليه «بحث الخارج»، ويحضر الطالب في هذه المرحلة دروس أعلام المجتهدين في الفقه وأصوله وهي آخر المراحل الدراسية.
وحين يتخصّص الطّالب بدراسة الفقه وأصوله يطلق عليه «المجتهد»، والاجتهاد يعني القدرة على استنباط أحكام الشريعة الإسلامية من أدلتها، وتلك منظومة لا بدّ من استيعابها وهي تتعلّق باللغة العربية ونحوها وصرفها وبلاغتها، إضافة إلى علم المنطق وعلم الكلام والعرفان وعلم الرجال والتفسير والحديث وشيء من الفلسفة. وهذه الأخيرة ظلّت غائبة عن المدارس الحوزوية، مع استثناءات محدودة جداً أخذت طريقها في العقود الأخيرة الماضية، حيث ارتفعت دعوات للمطالبة بإعادة النظر بالمناهج الدراسية في الحوزات الدينية وتطويرها وإدخال أساليب وطرق جديدة في التدريس بما ينسجم مع التطوّرات في حقول التربية والتعليم على المستوى العالمي.
وحتى وقت قريب، كان الشيخ يوسف البحراني، وهو صاحب كتاب «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة»، يعتبر ضرر قراءة الفلسفة ومطالعة كتب الحكمة والكلام أكثر من نفعه، لأنه تشكيك في قلوب الضعفاء وزلزلة لاعتقاداتهم، وهو القائل بعدم جواز الاستقلال بالعقل(1).
وكان من أبرز من اهتمّ بالفلسفة آية اللّه عبد الكريم الزنجاني الذي سيأتي ذكره، فقد تعمّق فيها واستوعب أسسها وحاول أن يخصّصها للمنهج الحوزوي الجديد باعتبارها «أم العلوم» بطريقة بدت هادئة وسلسة، وإن كانت محدودة .
وتلكم هي المراحل التي مرّ بها «الحفيد»، حتى تمكّن من الفقه وحاز لقب «حجّة الإسلام والمسلمين» ثم «آية الله»، ونال الدرجة العلمية في استنباط الأحكام. وكان الفتى المتديّن الذي سيندمج في عالم الفقه واللغة والتاريخ والوطنية في الوقت نفسه، يفكّر بهمّ الوطن على طريقته الخاصة، ولعلّه وجد ضالته في البداية في تنظيم أسَّسه عز الدّين الجزائري وكانت أهدافه ثقافية واجتماعية ودينية اتّسمت بنوع من الغموض، لكن وجهتها السياسية بدأت مع ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وضمّت مجموعة متميّزة ومتحمّسة من الشباب بينهم محمد صالح الحسيني الذي اغتالته المخابرات العراقية في بيروت العام 1981 والسيد البغدادي «الحفيد» ومحسن عباس زاغي وعبد الأمير الدخيّل شقيق العضو القيادي البارز في حزب الدعوة عبد الصاحب الدخيّل الذي أعدم في مطلع السبعينات وأطلق على ذلك التنظيم حينها «حركة الشباب المسلم».
وكان للحركة منهج سمّي «دستوراً» أو «نظاماً» داخلياً، كما أصدرت بعض النشرات تصدّرها شعار «مجتمع مسلم ودولة إسلامية: سعادة الدنيا ونعيم الآخرة» وقد أورد الباحث صلاح الخرسان بعض التفاصيل عنها(2).
وكان هذا التنظيم الذي تخلّى عنه لاحقاً بعض أعضائه قد استمرّ على نحو مختلف بقيادة الجزائري ليؤسس «حركة الشباب العقائديين»، لمواجهة المدّ الشيوعي، ومعه مجموعة صغيرة أخرى أسست ما سمّي «شباب العقيدة والإيمان»، وكان من بين موجهيها السيد محمد علي المرعبي وشخص آخر يدعى عبد الرزاق التورنجي وهو إيراني الأصل، ويلبس العقال والكوفية ويجتمع ببعض الإسلاميين في الصحن العلوي، وقد شكّك الإسلاميون به لاحقاً واتهموه بالعمل لصالح الأجهزة الأمنية، وكانت حركته وعلاقاته تتّسم بالغموض والإبهام، والغريب أنه في أيام مرجعية «الخوئي» أصبح وكيلاً رسمياً له، وقد اعتمر العمامة «البيضاء» ولقّب نفسه بالشيخ عبد الرزاق الواعظ (وهو ليس من آل الواعظ في بغداد وهم عائلة سنّية معروفة أو من آل الواعظ في النجف وهم أسرة شيعية وشيوعية معروفة).
ولعلّ هذه الارهاصات التنظيمية الأولى تفاعلت مع غيرها، وكانت جزءًا من «حركة إسلامية» تداخلت مع حركات أخرى وعُرفت لاحقاً باسم «حزب الدعوة» الذي تأسّس كردّ فعل للمدّ الشيوعي الذي بدأ بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958.
الهوامش
(1) انظر: كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، حقّقه وعلّق عليه: محمّد تقيّ الايرواني، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية، 1985، قارن كذلك: السيد علي الحسني البغدادي: المطارحات الإسلامية، مؤسسة التاريخ العربي، «مكتبة الإمام المجاهد السيد البغدادي العامة»، بيروت، ط1، 2014، ص 9 و10.
(2) انظر: صلاح الخرسان – حزب الدعوة الإسلامية: حقائق ووثائق، فصول من تجربة الحركة الإسلامية في العراق خلال 40 عاماً، دمشق، 1999، ط: 1.

