Skip links

غزو العراق في 2003 – التمهيد له وتداعياته

د. رافع الكبيسي (باحث في الشأن الأمريكي)

لقد توصل الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن وأقطاب حكومته من المحافظين الجدد إلى وجوب تصدير صدمة أحداث 11 أيلول 2001 إلى الخارج، والتي نجم عنها تدمير البرجين في نيويورك – مركز المال الأمريكي – لتلافي ثورة غضب داخلية يصعب التنبؤ بمخاطرها والسيطرة على اتجاهاتها، وتحديد عدو خارجي تلقى عليه المسؤولية واستدعاء روح الأمة الأمريكية؛ فتم القفز بالعراق من التسلسل رقم 3 في محور الشر إلى رقم 1.

تم في تشرين الثاني تكليف الجنرال تومي فرانكس، قائد القوات الأمريكية الوسطى، لتطوير حلقات خطة العراق المركونة في دواليب تلك القيادة منذ 1990، والتي كانت تُحدث في كل حقبة زمنية خلال التسعينات من القرن الماضي.

بدأت أجهزة الإعلام ومراكز البحوث واللوبيات الصهيونية واليمينية، التي تعاظم دورها، بخلق أجواء لتنفيذ ما يطمح له بوش بالتخلص من صدام حسين والمخاطر التي يمثلها على المنطقة وإسرائيل والأمن القومي الأمريكي، وبلغ به القول بأن (الرب أبلغه بالتخلص من صدام حسين).

في سنة 2002 ألقى بوش خطاب الاتحاد السنوي في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، وهو يسرد أخطاء النظام العراقي ورئيسه ملوحاً باستخدام القوة بكلمة (يُغير أو يتغير؟)، وقد نبهنا عن مغزى هذا القول لمن استطعنا الوصول إليه.

ويبدو أن الرئيس ونائبه ديك تشيني وفريق الأمن القومي، وبالذات كوندوليزا رايس وولفويتز ورايستندستيني وفيت والآخرين، يحبذون العمل العسكري، ومذكرين بوش بأن صدام حاول اغتيال والده جورج بوش الأب، وتحمل النقد واللوم في عدم إكمال مهمة تحرير الكويت بالقضاء على النظام العراقي بإصغاءه إلى نصيحة رئيس أركان القوات المسلحة الأمريكية حينذاك الجنرال كولن باول.

هنا بدأت الاتهامات تتوالى بعلاقة العراق بمنظمة القاعدة المتهمة بعملية 11 أيلول في نيويورك، واستمرار العراق بالسعي للحصول على أسلحة دمار شامل نووية وبايولوجية. يعزز ذلك تهافت المعارضين العراقيين، أمثال رافد الجبوري وأحمد الجلبي، بتغذية المخابرات الأمريكية والبريطانية بالأكاذيب لتتوافق مع أمنياتهم وكأنها سقطت عليهم من السماء. وتجاوزت الإدارة الأمريكية بعض الفقرات في تقرير المخابرات القومي التي ذكرت: “أننا نفتقر إلى المعلومات المحددة عن العديد من جوانب أسلحة الدمار الشامل العراقية”.

إلا أن هذا لم يمنع وزير الخارجية الأمريكية كولن باول أن يقفز فوق تاريخه المهني ويعلن أمام مجلس الأمن الدولي في 5 شباط 2003 الروايات الواردة عن محاولة شراء العراق 60 ألف أنبوب من الألمنيوم ذات العلاقة بالصناعة النووية، ومحاولة شراء العراق راسب اليورانيوم من دولة النيجر. بالإضافة إلى رواية رافد الجبوري بادعائه بأنه كان يعمل ضمن برنامج أسلحة الدمار الشامل العراقية وأن هناك ناقلات محملة بأجهزة صناعة البيولوجي، واستخدمها توني بلير رئيس الوزراء البريطاني أمام البرلمان البريطاني كحجة للدخول بالحرب.

+1

ومن المؤسف بأن رواية رافد أحمد علوان تم تكذيبها من المخابرات الأمريكية ومنه شخصياً بعد الاحتلال، وكان هدفه الحصول على اللجوء في الولايات المتحدة.

لقد تضافرت أسباب وعوامل أدت إلى ارتكاب جريمة احتلال العراق، منها:

  • نتائج حرب الكويت وما جرته من ويلات على العراق من قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالعقوبات والحصار والتعويضات.
  • الأخطاء التي ارتكبت في الكويت والفجوة التي صاحبت الموقف من العراق منذ آب 1991 وحتى 9/4/2003 عربياً ودولياً.
  • استثمار إسرائيل تأثيرها على مراكز القرار الأمريكي، خاصة بعد إصرار قيادة العراق على دعم الانتفاضة الفلسطينية والقضية الفلسطينية بشكل عام.
  • رفض العراق قرار مجلس الأمن الدولي 1194 الذي أدان تعليق العراق التعاون مع لجنة التفتيش والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وما ترتب عليه من قيام أمريكا وبريطانيا بقصف المنشآت العراقية (عملية ثعلب الصحراء).
  • مصادقة الرئيس الأمريكي كلينتون على “قانون تحرير العراق”، والانتقال من سياسة الاحتواء وتخفيف العقوبات، ليصبح هذا القانون هدية وأساساً لمن يخلفه في الرئاسة.

الآن، وبعد انقضاء أكثر من 23 سنة على هذا الحدث، الذي أقل ما يوصف بالحدث الأسود الجلل في تاريخ العراق بما تركه من انعكاسات بسبب قرارات الإدارة الأمريكية، وسوء إدارة القوى العراقية التي تحكمت بالعراق، والانقضاض على كثير من مكاسب الشعب العراقي، وتجذر قيم وسلوكيات أضعفت نسيجه الاجتماعي في ظل دستور يخدم هذه التوجهات. ونجم عن ذلك تسلط أحزاب وشخصيات من المستبدين واللصوص والثيوقراطيين، ليتاح لهم المال والنفوذ والسلاح دون موانع قانونية.

إن التداعيات التي توالت في العراق والمنطقة بعد 2003، وبروز المنظمات الإرهابية كالقاعدة وداعش، والتأثير البالغ لإيران ووكلائها، ورجحان كفة إسرائيل وسواد قوتها المفرطة في غزة ولبنان وسوريا والمنطقة عموماً، فمن الإنصاف ارتباط حالات منها بما حدث بعد احتلال العراق في 9/4/2003.

وأعود إلى ما رشح من مذكرات المسؤولين الأمريكيين، وأشدد هنا على ما أدلت به كوندوليزا رايس في 1/11/2011 بأن أميركا لم تغزو العراق لنشر الديمقراطية، بل لإزاحة صدام حسين الذي يشكل عقبة كبيرة أمام تشكيل الشرق الأوسط الجديد (وهو الأكثر اضطراباً بالعالم)، وللعلم هي صاحبة فكرة “الفوضى الخلاقة” التي أطلت على المنطقة والعالم ونشهد تأثيراتها حالياً.

اترك تعليقًا

عرض
Drag