شريعة الغاب (اختلال التوازن في النظام الدولي)
أ. د. محمد طاقة
يقوم الكون، في مستواه الطبيعي والفيزيائي، على مبدأ التوازن، فتعاقب الليل والنهار، وتوازن قوى السالب والموجب، وانتظام حركة الأجرام السماوية وفق مسارات دقيقة، كلها شواهد على الاستقرار والديمومة مشروطان بوجود توازن يحكم العلاقات بين العناصر المتقابلة.
هذا القانون الكوني لا يقتصر على الطبيعة، بل ينسحب كذلك على حياة البشر في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعندما يختل هذا التوازن، تبدأ الفوضى وتظهر أنماط من السلوك تحكمها القوة المجردة لا القانون، وهو ما يمكن تسميته ب (شريعة الغاب).
في التاريخ الإنساني، لم تستقر المجتمعات ولا العلاقات الدولية إلا في ظل نوع من التوازن، سواءً كان توازناً اقتصادياً أو عسكرياً أو سياسياً، فغياب التوازن يؤدي إلى هيمنة طرف واحد، وتحوله من شريك في النظام الدولي إلى متحكم مطلق بمصائر الآخرين.
من هنا يمكن فهم ان التوازن ليس حالة مثالية اخلاقية، بل ضرورة واقعية لضمان الحد الادنى من العدالة والاستقرار.
شَكل وجود الاتحاد السوفيتي، طوال فترة الحرب الباردة، حالة توازن نسبي مع الولايات المتحدة الأمريكية، رغم ما اتسمت به تلك المرحلة من صراعات وتوترات، إلا ان وجود قطبين دوليين حال دون انفراد طرف واحد بالعالم،غير ان انهيار الاتحاد السوفيتي عام (1991) أنهى هذه المعادلة، وفتح الطريق امام امريكا لتصبح القطب الأوحد، مستندة على ثلاث عناصر أساسية (راس المال، والهيمنة الاعلامية، والقوة العسكرية).
بزوال هذا التوازن، تفككت المنظومة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، واصبحت امريكا قادرة على التاثير المباشر في القرار السياسي والاقتصادي العالمي. وفرض. نماذجها الاقتصادية والاجتماعية على بقية دول العالم.
وجدت الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها المشروع الصهيوني العالمي، في لحظة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فرصته التاريخية لتحقيق الهيمنة الكاملة وفرض العولمة بصيغتها الراسمالية. غير ان هذا المشروع كان مهدد بامكانية صعود قوى دولية جديدة قادرة على اعادة انتاج حالة التوازن. ومن ابرز هذه القوى، الصين بما تمتلكه من كتلة بشرية هائلة وقاعدة صناعية وتكنولوجية متنامية، وروسيا بصفتها الوريث الجغرافي
والعسكري للاتحاد السوفييتي، واوربا الموحدة التي شكل اليورو فيها تحدياً نسبياً لهيمنة الدولار، اضافة إلى الامة العربية في حال تحقق توحدها السياسي والاقتصادي واستثمارها لمواردها الاستراتيجية.
بدلاً من الانخراط في مواجهات عسكرية شاملة مع هذه القوى، اختارت امريكا طريقاً
اقل كلفة وأكثر فاعلية، وهو الصراع الاقتصادي و التجاري، وفي هذا السياق، برز النفط والغاز بوصفهما عصب الاقتصاد العالمي ومحرك الصناعة في الصين واوربا على حد سواء.
وفي هذا الإطار تركزت الاستراتيجية الأمريكية على السيطرة المباشرة او غير المباشرة على منابع الطاقة الكبرى في العالم، خصوصاً في منطقة الخليج العربي، وبشكل أساسي في السعودية والعراق، إضافة إلى دول اخرى تمتلك احتياطيات نفطية هائلة مثل ايران وفنزويلا وتشير البيانات الدولية إلى ان السعودية تمتلك نحو (16–16،5%) من الاحتياطي العالمي فيما تمتلك ايران قرابة (9،5–10%) والعراق (8،5–9%) في حين تستحوذ فنزويلا وحدها على ما يقارب (20%) من الاحتياطي العالمي المؤكد. وبذلك فان هذه الدول الاربعة مجتمعة تتحكم بما يقارب
(54%) من احتياطي النفط العالمي. اي اكثر من نصف نفط العالم، وهو رقم يفسر مركزية هذه الدول في الاستراتيجية الأمريكية، ويكشف ان الصراع الدائر حولها ليس صراعاً عسكرياً مباشراً بقدر ما هو صراع على الطاقة والتحكم بمفاتيح الاقتصاد العالمي، ومنع اي قوة دولية من استخدام النفط كوسيلة لاعادة انتاج التوازن.ان هذا الرقم ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو عبارة عن مفتاح لفهم لماذا تُستهدف هذه الدول تحديداً (غزو العراق، حصار فنزويلا واختطاف رئيسها وزوجته، العقوبات على ايران، والضغط الدائم على السعودية)، لان السيطرة على اكثر من نصف نفط العالم تعني التحكم بالاقتصاد العالمي وخنق كل من الصين واوربا عند الحاجة وحماية هيمنة الدولار ونظام البترو دولار، ولأن اي تقارب نفطي سياسي بين هذه الدول يمكن ان يعيد التوازن ويضعف الهيمنة الأمريكية وينهي منطق القطب الواحد.
تزداد حساسية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الصين بسبب اعتماد الأخيرة على استيراد النفط من دول مثل ايران وفنزويلا (والتي بلغت 2 مليون برميل) وبآليات دفع تتم احياناً بالعملات الوطنية او بترتيبات تتجاوز الدولار الأمريكي. هذا التوجه يشكل تهديداً مباشراً لهيمنة الدولار، الذي يُعد الركيزة الأساسية للقوة الاقتصادية الأمريكية، ويقوض قدرة واشنطن على استخدام العملة كسلاح سياسي واقتصادي.
في هذا السياق يمكن فهم غزو العراق عام (2003) بوصفه خطوة استراتيجية على واحد من اكبر الاحتياطيات النفطية بالعالم، بعيداً عن الذرائع المعلنة المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل او نشر الديمقراطية، وبالمنطق ذاته، تفرض أمريكا حصاراً خانقاً على فنزويلا وتسعى إلى نزع الشرعية عن قيادتها المنتخبة، بل بسبب الثقل النفطي الهائل الذي تمتلكه. اما ايران فتُعد الحلقة المتبقية في هذا المخطط، حيث تستخدم ضدها كل ادوات الضغط الممكنة، العقوبات الاقتصادية، العزل السياسي، التهديد العسكري، ودعم الاضطرابات الداخلية، بهدف إخضاعها او تغيير نظامها بما ينسجم مع المصالح الأمريكية، وبالتالي تضييق الخناق على الصين واوربا في آن واحد.
يعكس الخطاب الأمريكي، منذ تصريح جورج بوش الابن ((من ليس معنا فهو ضدنا)) وصولاً إلى مقولات دونالد ترامب عن فرض السلام بالقوة، ذهنية واحدة قائمة على الإكراه لا الشراكة. هذا النهج المستند على عقيدة (مونرو) بصفتها المعاصرة، يتجاهل القوانين الدولية والأعراف التي تأسست عليها الامم المتحدة ويُحول العلاقات الدولية إلى ساحة تحكمها القوة وحدها. ان ما نشهده اليوم من تجاوز للشرعية الدولية وفرض للعقوبات، وتدخل في شؤون الدول، ليس سوى تجسيد عملي لشريعة الغاب، حيث يفرض الأقوى ارادته، ويُخضع الأضعف دون اعتبار للقانون والاخلاق.
في ظل هذا الواقع، يمكن القول ان العالم يعيش شكلاً من العبودية المعاصرة، عبودية لا تقوم على السلاسل، بل على الاقتصاد، والديون، والهيمنة الإعلامية. السيد في هذه المنظومة هو النظام الرأسمالي العالمي، وعلى رأسه أمريكا وحلفاؤها، بينما تتحول شعوب العالم ومعها الأنظمة السياسيةالخارجة عن الطاعة، إلى أطراف مُستغّلة ومقيدة الإرادة.
ان استعادة التوازن الدولي ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً ضرورياً لإنهاء شريعة الغاب، وبناء نظام عالمي اكثر عدالة، يكون فيه القانون فوق القوة، والتعددية بديلاً عن الهيمنة
برلين
6/1/2026
