حرية تعبير أم فوضى؟
مشتاق الربيعي
تُعد حرية التعبير من أبرز المكاسب الدستورية التي نصّ عليها الدستور العراقي، بوصفها ضمانة أساسية لحماية الرأي والرأي الآخر، وأداة فاعلة لمراقبة الأداء السياسي والإداري، وكشف مواطن الخلل والفساد. غير أن هذه الحرية، شأنها شأن باقي الحقوق، ليست مطلقة ولا منفلتة، بل تقف عند حدود احترام القانون وصون كرامة الأفراد والحفاظ على السلم المجتمعي.
فحرية التعبير لا تعني إطلاق الاتهامات جزافًا، ولا تبرر استخدام لغة الشتيمة أو التشهير أو الإساءة الشخصية، سواء عبر البرامج التلفزيونية أو المنصات الرقمية. ومع الأسف الشديد، تحوّل الخطاب في بعض البرامج السياسية والاجتماعية إلى ساحات للتراشق اللفظي وتصفية الحسابات، بعيدًا عن المهنية الإعلامية وروح المسؤولية الوطنية، ما أسهم في تعميق الانقسام المجتمعي وتشويه الوعي العام.
ولا خلاف على أن النقد الموضوعي والهادف يُعد ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي، بل هو حق مشروع وواجب وطني عندما يكون الهدف منه تصحيح المسار، ومحاسبة المقصرين، وخدمة المصلحة العامة. أما حين يُستبدل النقد بالتسقيط، والحوار بالتجريح، فإننا نكون أمام فوضى خطابية لا علاقة لها بحرية التعبير، بل تمثل إساءة لها وتفريغًا لمضمونها الحقيقي.
والمقلق أكثر أن هذا الأسلوب لم يقتصر على بعض المنابر الإعلامية، بل امتد إلى صفحات عدد من الناشطين المدنيين والمدونين والكتّاب، حيث تُستخدم منصات التواصل الاجتماعي أحيانًا كأدوات للتحريض وبث الكراهية، بدل أن تكون مساحات للتنوير وتبادل الآراء بشكل حضاري. فالديمقراطية لا تُقاس بعلو الصوت، ولا بعدد المتابعين، بل بمدى الالتزام بأخلاقيات الحوار واحترام التنوع الفكري والسياسي.
وكلما كانت طريقة تبادل الآراء مهذبة، قائمة على الاحترام المتبادل والاستماع الواعي للرأي الآخر، كلما ارتقى مستوى الحوار وسمت نتائجه، وتحول الاختلاف من حالة صدامية إلى مساحة غنية لتلاقح الأفكار. فالحوار المهذب لا يُلغي الخلاف، بل يُديره بعقلانية، ويمنح كل طرف حقه في التعبير دون انتقاص أو إساءة. كما أن اللغة الراقية في النقاش تعكس وعي المتحاورين ونضجهم الفكري، وتسهم في بناء جسور الثقة داخل المجتمع بدل تعميق الانقسامات وزرع الكراهية.
إن الاختلاف في وجهات النظر ظاهرة طبيعية وصحية، بل ومطلوبة لتقدم المجتمعات، لكن إدارة هذا الاختلاف تتطلب وعيًا ومسؤولية. فالكلمة أمانة، والإعلام رسالة، ومن يسيء في خطابه إنما يكشف عن ضعفه الحُجَجي قبل أن يسيء إلى الآخرين. وكما يُقال: الحديث مرآة المتكلم، فمن اختار الإساءة سقط أخلاقيًا قبل أن يُسقط غيره.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة الحوار الرصين، والالتزام بالمعايير المهنية والقيم الأخلاقية عند استخدام وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك وتويتر وغيرها. فحرية التعبير مسؤولية وطنية قبل أن تكون حقًا شخصيًا، وبدون هذا الوعي تتحول الحرية إلى فوضى، والديمقراطية إلى شعارات فارغة.
إن بناء دولة المؤسسات والقانون لا يتحقق إلا بخطاب مسؤول، يحترم الإنسان، ويصون الحقيقة، ويُعلي مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فبالكلمة الواعية تُبنى الأوطان، وبالخطاب المنفلت تُهدم القيم، وبين الحرية والفوضى شعرة لا يحفظها إلا الوعي والأخلاق.
