تاريخ أزمة الأمة العربية
فيجا أبو شربي
الحلقة الأولى:
من الاستعمار إلى احتلال الوعي: الجذور التاريخية لأزمة الأمة
لا يمكن لأي أمة أن تستعيد قدرتها على النهوض ما لم تجرؤ على الوقوف أمام مرآة تاريخها القريب، ذلك التاريخ الذي لم يُدوَّن بالحبر وحده، بل سُطّر بالخسارات، وتراكم الإخفاقات، وتتابع الانكسارات. فالأزمة التي تطفو على سطح الواقع العربي اليوم ليست نتاج ظرف عابر أو لحظة طارئة، بل هي حصيلة مسار طويل تداخلت فيه العوامل وتشابكت، وضغطت على روح الأمة طبقة بعد أخرى، حتى بات الحاضر المثقل امتدادًا طبيعيًا لماضٍ لم يُحسم حسابه بعد.
بدأت الملامح الأولى للأزمة الحديثة مع دخول الاستعمار إلى الجغرافيا العربية. ففي تلك اللحظة، لم تُسلب الأرض فحسب، بل انتُزعت السيادة، وتفككت البُنى الداخلية التي كانت تمنح الأمة تماسكها وقدرتها على تقرير مصيرها. فالحدود التي رسمها المستعمر لم تكن مجرد خطوط على الخرائط، بل جروحًا غائرة في الوعي الجمعي، أنشأت كيانات هشّة بلا جذور راسخة، وأضعفت الروابط التي كانت تجمع الشعوب ضمن إطار واحد وهوية مشتركة. ورغم رحيل الاستعمار شكليًا، إلا أنه خلّف دولًا مبتورة، واقتصادات تابعة، وثقافة مرتبكة، ونخبًا منقسمة عجزت عن التوافق على مشروع جامع يعيد للأمة اتجاهها.
ومع قيام الدول الوطنية الحديثة، ساد الاعتقاد بأن خروج المحتل من الأرض هو بداية التحرر الحقيقي، وأن مرحلة جديدة قد فُتحت. غير أن الحقيقة التي ظلّت مسكوتًا عنها هي أن الاحتلال لم يغادر تمامًا؛ فقد انسحب من الحدود ليستقر في العقول. استبدل وجوده العسكري المباشر بنفوذ ثقافي ومعرفي ناعم، أعاد من خلاله تشكيل نظرة الإنسان العربي إلى ذاته وإلى العالم من حوله. وهكذا تعمّقت الأزمة، وأصبحت غير مرئية للعين السطحية: احتلال بلا أعلام ولا جيوش، لكنه يغرس شعور النقص والدونية ، ويُقنع الأمة بأن قدرتها على النهوض محدودة، وأنها لا تستطيع التفوق على الآخر.
وهكذا جرى تفريغ الوعي من مضمونه التاريخي والثقافي، وتحويل الإنسان إلى صورة باهتة من ذاته؛ يُقلّد ما يراه، ويتشكك في قيمه، ويغترب عن جذوره دون أن يعثر على بديل راسخ يطمئن إليه. ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة في قوة خارجية تقمع، بل في عقل فقد ثقته بنفسه، ووعي بات ينظر إلى العالم بعيون غيره. وهذا الاحتلال غير المرئي كان الأخطر، لأنه جفّف منابع المبادرة، وأغلق الطريق أمام أي مشروع نهضوي ينطلق من الداخل.
