انعكاسات المواجهة الاميركية الاسرائيلية مع ايران على العراق
الدكتور رافع سحاب الكبيسي – محلل سياسي
يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية في ظل التصعيد العسكري والسياسي المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران، وهو تصعيد يتخذ أحيانًا طابع المواجهة غير المباشرة عبر حلفاء إقليميين أو عمليات عسكرية محدودة. ومع اتساع رقعة التوتر، يبرز العراق مرة أخرى كواحد من أكثر الدول عرضة لتداعيات هذا الصراع، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته مع مختلف الأطراف. وفي ظل التطورات الأخيرة، خاصة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، عاد الحديث مجددًا عن احتمال تحول العراق إلى ساحة صراع أو هدف للضغط بعد أي مواجهة واسعة في المنطقة.
فالعراق منذ عام 2003 أصبح جزءًا من معادلات التوازن في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري في البلاد ضمن إطار التحالف الدولي، كما تربطها علاقات سياسية وأمنية مع الحكومة العراقية. وفي المقابل، تمتلك إيران نفوذًا سياسيًا واجتماعيًا واسعًا داخل العراق، إضافة إلى علاقاتها مع عدد من القوى السياسية والفصائل المسلحة. هذا التداخل في النفوذ يجعل العراق في موقع حساس بين قوتين متنافستين، ويضعه في كثير من الأحيان في قلب التوترات الإقليمية.
وقد ازدادت المخاوف في الفترة الأخيرة مع اتساع نطاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إذ يخشى كثير من المراقبين من انتقال تداعيات هذا الصراع إلى دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق. فالأراضي العراقية تضم قواعد عسكرية أمريكية، كما توجد فيها فصائل مسلحة ترتبط سياسيًا أو عقائديًا بإيران، الأمر الذي يجعل البلاد عرضة لأن تتحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين الطرفين.
ولا يمكن في هذا السياق القفز على الأحداث الأخيرة التي شهدها العراق، والمتمثلة في الضربات المتوالية التي استهدفت مقر السفارة الأمريكية في بغداد، إضافة إلى استهداف قاعدة الدعم اللوجستي الأمريكية في مطار بغداد، وكذلك قاعدة حرير في أربيل. وقد عكست هذه الهجمات مستوى التصعيد الأمني داخل البلاد، كما كشفت عن هشاشة الوضع الأمني في ظل تعدد الجهات المسلحة وتداخل النفوذ الإقليمي. وقد أسفرت هذه التطورات عن حالة من القلق المتزايد لدى البعثات الدبلوماسية العاملة في العراق، حيث بدأت بعض هذه البعثات باتخاذ إجراءات احترازية، شملت تقليص عدد موظفيها أو سحب جزء منهم، في مؤشر واضح على تراجع الثقة بالبيئة الأمنية، وهو ما ينعكس سلبًا على صورة العراق وفرص الاستثمار والتعاون الدولي.
وفي موازاة ذلك، جاء القصف الذي استهدف مصفاة النفط في أربيل ليضيف بعدًا اقتصاديًا خطيرًا إلى المشهد، إذ إن استهداف منشآت الطاقة لا يهدد الأمن فقط، بل ينعكس أيضًا على الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل اعتماد العراق الكبير على عائدات النفط.
وتتزامن هذه التطورات مع أزمة مستمرة في إقليم كردستان تتعلق بعدم القدرة على تصدير النفط لفترات طويلة، نتيجة الخلافات بين بغداد وأربيل والنزاعات المرتبطة بخط الأنابيب عبر تركيا. وقد أدت هذه الأزمة إلى خسائر مالية كبيرة، وفاقمت التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق عمومًا، في وقت يحتاج فيه إلى استقرار مالي لمواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
أما في الجنوب، فتظل محافظة البصرة الركيزة الأساسية للاقتصاد العراقي، حيث تنتج معظم النفط المصدر إلى الأسواق العالمية. ومع ذلك، تعاني المحافظة من مشكلات مزمنة في الخدمات والبنية التحتية وارتفاع معدلات البطالة، ما يجعلها بيئة قابلة للاحتقان الاجتماعي، خاصة في أوقات الأزمات. ويبرز هنا التناقض الواضح بين الثروة النفطية الهائلة التي تمتلكها البصرة والواقع الخدمي الصعب الذي يعيشه سكانها.
ومع استمرار التوترات الإقليمية، يواجه العراق خطر الانجرار إلى صراع أوسع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فاستهداف القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، قد يضعف قدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي.
ورغم ذلك، يبقى من غير المرجح أن تقدم الولايات المتحدة على استهداف العراق كدولة بشكل مباشر بعد أي مواجهة مع إيران، نظرًا لأهمية العراق كشريك في ملفات أمنية واقتصادية عدة. إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال استمرار استخدام الأراضي العراقية كساحة لتبادل الرسائل والضربات بين الأطراف المتصارعة.
في الختام، يقف العراق أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية تجنب التحول إلى ساحة صراع مفتوحة. ويتطلب ذلك تعزيز سيادة الدولة، وحصر السلاح بيدها، ومعالجة الأزمات الاقتصادية، خصوصًا في قطاع النفط، إضافة إلى تبني سياسة خارجية متوازنة. ففي منطقة تتشابك فيها المصالح وتتصاعد فيها التوترات، لا يمكن للعراق أن يحمي نفسه إلا من خلال دولة قوية قادرة على فرض الاستقرار وصيانة قرارها الوطني.
وما نضح من مسار الاحداث يبدو أن الحكومة العراقية تجد صعوبة في الخروج من مأزق الصراع بين الفصائل الولائية وعلاقتها بمجريات الحرب في إيران مما سيفاقم الأمور وما يترتب على ذلك من مواقف أمريكية ضاغطة تنعكس على الوضع الأمني والاقتصادي في العراق.
