العراق بين التحديات والصمود
مشتاق الربيعي
لقد مرّ العراق بمحطات تاريخية عديدة منذ تأسيس الدولة الحديثة وحتى يومنا هذا. كل حقبة تختلف عن الأخرى من حيث الظروف والتحديات والإنجازات. وإذا نظرنا إليها من منظور حيادي نجد أن لكل مرحلة إيجابيات وسلبيات، تعكس مسيرة هذا البلد العريق في مواجهة الأزمات والصعوبات.
منذ تأسيس الدولة العراقية، شهد العراق بناء مؤسسات الدولة الحديثة، ومحاولات لتحقيق الأمن والاستقرار، ورغم محدودية الموارد والضغوط الإقليمية، استطاع أن يحافظ على وحدة أراضيه في فترات عديدة. وفي كل حقبة، واجه العراق تحديات داخلية، مثل النزاعات السياسية والاجتماعية، وأزمات اقتصادية أثرت على حياة المواطنين.
أصعب مراحل الدولة العراقية منذ نشأتها كانت مرحلة اغتصاب مدن غرب العراق من قبل الإرهاب، حيث تعرضت المدن للدمار والخراب، وواجه المواطنون تهديداً مباشراً على حياتهم واستقرارهم. ورغم ذلك، أثبت الشعب العراقي قدرته على الصمود والتحدي واستعادة وحدة أراضيه، مؤكدًا أن إرادة الأمة أكبر من أي تهديد خارجي أو داخلي.
واليوم، يواجه العراق تحدياً من نوع آخر أمام أزمة السلاح المنفلت، والتي قد تكون أخطر من كل التحديات السابقة، خصوصًا وأن بعض الأحزاب تمتلك أجنحة مسلحة، الأمر الذي يعقّد حصر السلاح بيد الدولة ويثير تساؤلات حول مدى جدية الالتزام بهذه الخطوة. استمرار الوضع الحالي يحمل تداعيات كبيرة على الأمن والاستقرار، وقد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات الداخلية ويعيق جهود بناء الدولة.
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب حلولًا سياسية ودبلوماسية متأنية، تحفظ وحدة العراق ومؤسساته، وتبعده عن أي تصعيد قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على الأمن الداخلي. ومن هنا تأتي أهمية انعقاد مؤتمر وطني شامل يلم شمل جميع الأطراف السياسية، ويصلح ما بين الفرقاء، لإعادة الثقة وتعزيز الاستقرار. يجب أن تكون الحلول الوطنية مرضية لجميع الأطراف، بعيدًا عن المصالح الجزئية، لتبقى الدولة قوية وموحدة.
العراق اليوم لا يحتاج إلى مشاهد استعراض القوة التي نشاهدها بدور السينما في هوليوود؛ نحن لا نريد أن تتكرر هذه المشاهد في شوارع وطننا الحبيب، فهي تزرع الخوف والقلق في نفوس المواطنين، وتعيق مسار الدولة نحو الاستقرار والبناء، وتبعدها عن الرقي والتنمية.
ولتأمين مستقبل العراق، يجب على الجميع الالتزام بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة بين جميع عناصر الأمن، لضمان وحدة القرار الأمني وسرعة الاستجابة لأي تهديد، بما يحمي المواطنين ويعزز سيادة الدولة.
وفي النهاية، يبقى مسؤولية المجلس النيابي القادم وحكومته كبيرة وحاسمة، إذ يقع على عاتقهم إيجاد حلول سياسية عملية ومتفق عليها، تحفظ الأمن وتضمن وحدة العراق واستقراره، بعيداً عن الانقسامات الداخلية، وبما يحقق تطلعات شعبه نحو حياة كريمة وآمنة، ويعيد للعراق مكانته كدولة قوية، متماسكة، وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
