Skip links

الصباح ث شعبية ٢٦ شباط

في مئوية (ابو كاطع)

كاظم غيلان

“طوبى لموتك الحي، وتبّاً لحياتنا الميتة”
تلك جملة لم تغادر ذاكرتي كتبها حميد المطبعي في استذكار جيفارا ضمن ملف أعدّته مجلة (الكلمة) مطلع السبعينيات.
كم طوبى يستحقها شمران الياسري (أبو كاطع) وذكراه تتجدد، كأنه يأمر من لا يستحق مجد الكلمة وأثرها بالرحيل. فالحياة تليق بمن يصون عذرية علاقته بها مقاوماً لا خانعاً، متفرداً ليس تابعاً، صائحاً ليس صامتاً، واقفاً بثبات على مربعه لا قاذفاً بقدم هنا وأخرى هناك لأجل أن (يضحك) له الجميع.
لم يزل عمود أبو كاطع الصحفي (بصراحة أبو كاطع) متوهجاً في ذاكرة أجيال قارعتْ الظلم بينما تتهاوى (عمدان) على رؤوس كتبتها المأجورين، والغارقين بنرجسيتهم والقابعين في أبراجهم العاجيَّة لا عدَّة لهم سوى مصطلحات القواميس وتزوير وقائع تاريخ لم يتشرَّف بهم .
يوم أعددت ملفاً قبل سنوات ليست ببعيدة جداً في ملحق (ثقافة شعبية) بهذه الصحيفة وضعت عنواناً له ( أبو كاطع ..ضمير شعب).
إنه واحد من خلائق سماد وادي الرافدين وعبقريته وليس صنيعة مؤسسات، إنه صناعة موهبة فذة التحمت جداً بهموم وقضايا الشرائح المسحوقة التي ظلت ترزح تحت سياط ظلم الحكومات التي لا تجيد سوى استغلالها لأغراض الثراء والمتاجرة.
مئة عام ويقف اليوم بكل ما في رهاوة المثقف الحقيقي والمناضل الناصع يضيء حلكة الأيام بكل ما في طاقته المعرفية من ضوء القيم والمبادئ السامية التي كفلت للإنسانية كرامتها .
أبو كاطع لم تصهره الأكاديميات الإعلامية ولا موائد كتبة المقالات الخاوية بقدر ما صنعته موهبة منبثقة من معاناة الإنسان وقهره المستمر .
الموت الحي هو الذي يتصف به شمران الياسري بخلاف الحياة الميتة التي مهما أراد بعضهم ديمومتها بغطرسة وتدبيج ما يكتب إلا أنها ميتة تماماً .
كم من سنوات مرت وأنا أخطط وأرسم صورة لـ(خلف الدوّاح) الذي اتخذ منه أبو كاطع بطلاً لعموده الصحفي الذي جعله شريكاً لهمومنا معه، ولم أصادفه حتى وجدته بصورته الحقيقية في (على ضفاف السخرية)، الإصدار الذي كتبه د. عبد الحسين شعبان أواخر تسعينيات القرن الماضي .
الكاتب الذي يرسم بحروفه بطلاً يدفعك للبحث عنه هو الكاتب الذي يشغلك ويبقى معك.
طوبى لك أيها الباقي معنا في مئويتك ولا عزاء لمن لايستحق حياة غير جدير بها.

اترك تعليقًا

عرض
Drag