الجين الأناني وصراع البقاء: قراءة خوارزمية في الصراع الأمريكي الإيراني
محمد الربيعي
في الوحدة الجوهرية للعلوم وفلسفة الوجود السياسي
لطالما نظر الى البيولوجيا والسياسة كحقلين منفصلين بحدود صلبة، احدهما يحكمه المختبر وقوانين الوراثة، والاخر تحكمه المصالح المتقلبة في اروقة الدبلوماسية. لكن القراءة المتعمقة في فلسفة التطور تكشف عن وحدة جوهرية تتجاوز هذه الانقسامات التقليدية. فالحياة في ابسط صورها ليست سوى “سعي محموم للبقاء”، والسياسة في اعقد صورها هي التنظيم المؤسساتي لهذا السعي.
ان مبرر تعمقنا في هذا الموضوع يتجاوز التوصيف السياسي السطحي للاحداث اليومية، لينفذ الى الجذور البيولوجية والفلسفية التي تحرك المجتمعات ككتل حيوية ضخمة. انا هنا لا انظر الى الحروب بوصفها مجرد نزاعات حدودية او خلافات على قوانين دولية، بل اراها كتصادم بين “ارادات بقاء” عميقة تتخذ من الايديولوجيا شفرة وراثية، ومن الدولة الة بقاء ميكانيكية، ومن الديالكتيك محركا تطوريا لا يهدأ. ان فهم الصراع الامريكي الايراني من هذا المنظور يمنحنا القدرة على رؤية “الخوارزمية” الكامنة وراء ضجيج الاخبار الزائف، وكشف المحركات التي تجعل من القوة الغاشمة منطقا وحيدا للبقاء تحت قشور اللغة الدبلوماسية.
اولا: الدولة كخوارزمية بقاء (تجاوز الميم التقليدي)
في كتابه الثوري “الجين الاناني” (1976)، طرح ريتشارد دوكينز فكرة قلبت موازين العلوم الانسانية، مفادها ان الكائنات الحية، بما فيها الانسان، ليست الا “الات بقاء” صممتها الجينات لضمان انتقالها عبر الاجيال. لم يكتف دوكينز بالجانب البيولوجي، بل استحدث مفهوم “الميم” (Meme)، وهو الوحدة المعلوماتية او الفكرة الثقافية التي تنتقل بين العقول عبر المحاكاة، تماما كما تنتقل الجينات عبر التكاثر.
واذا نقلنا هذه النظرية الى ساحة السياسة الدولية، وتحديدا الصراع الدائر بين المحور الامريكي الاسرائيلي وبين ايران، قد يبدو للوهلة الاولى اننا امام صراع بيولوجي بحت بين “ميمات” سياسية متصادمة. الا ان النظم السياسية الحديثة تجاوزت فكرة “الميمات” البسيطة التي طرحت في السبعينيات. فبينما الجينات وحدات مادية ثابتة التركيب تقريبا لدى كل البشر، نجد ان “الميم السياسي” يختلف جذريا في تركيبه باختلاف بنية الدماغ والتشابكات العصبية لكل مجتمع.
لذا، فان النظام في طهران او في واشنطن ليس مجرد حزمة من الافكار العابرة، بل هو تكامل لعدد لا يحصى من العمليات الخوارزمية التي تشكل “النظام الايديولوجي السياسي”. هذا النظام يعمل ككائن حي يسعى للحفاظ على استقراره الهيكلي (Homeostasis) ضد “الاعتلاج” (Entropy) او الفوضى الخارجية. وفي هذا السياق، تتحول مؤسسات الدولة من جيش واعلام واقتصاد الى “برمجيات فرعية” تعمل بتنسيق فائق لضمان استمرار “الخوارزمية الكبرى” للنظام. الصراع هنا يتجاوز مفاهيم الحق والباطل التقليدية، انه محاولة وجودية من كل نظام لفرض “منطقه الخوارزمي” كالية وحيدة للسيادة في بيئة دولية تنافسية لا ترحم.
ثانيا: تباين التشابكات العصبية وصراع “الترجمة” الحضارية
هنا يبرز الاختلاف الجوهري الذي ناقشته سابقا بين الجين والميم. فبينما الجين وحدة صلبة ثابتة الكيمياء، فان الميم السياسي هو وحدة مرنة يعاد تشكيلها داخل الدماغ بناء على “التشابكات العصبية” التي تكونت عبر الاف السنين من التفاعل مع البيئة والتاريخ.
حين ينتقل “ميم سياسي” غربي، كالفردانية او الليبرالية، نحو الشرق، فانه لا ينسخ حرفيا كملف حاسوبي، بل يصطدم ببنية عصبية جمعية تشكلت وفق قيم روحية واجتماعية مختلفة. هذا التصادم يؤدي الى “ترجمة عصبية” متباينة للميم الواحد، فما يراه الغرب “تحررا” قد تترجمه التشابكات العصبية في الشرق كـ “تفكك بنيوي”، وما يراه الشرق “ثباتا مبدئيا” قد يراه الغرب “جمودا راديكاليا”.
الصراع الامريكي الايراني اذن هو صراع بين منظومتين من “الخوارزميات الذهنية” التي تعيد تفسير الواقع بناء على “توصيلات عصبية” متباينة. هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هي فجوة “بيولوجية-ثقافية” تجعل من الصعب ردمها عبر قنوات الدبلوماسية التقليدية، لان كل طرف يقرا “الواقع” بلغة برمجية تختلف جذريا عن الاخر.
ثالثا: فشل التبريرات العقلانية والقوة كقشرة لغوية
عند فحص الهجمات والاعتداءات الامريكية والاسرائيلية على ايران، نجد فشلا ذريعا في كفاية التبريرات العقلانية او الاخلاقية. ان ما تطلقه هذه القوى من مبررات ليس سوى “قشرة لغوية” (Linguistic Shell) هشة، صممت لتغطية دافع بيولوجي-خوارزمي اعمق وهو انتصار الخوارزمية الحضارية الغربية بعد تشتيت ما ينافسها.
هذا الدافع، في جوهره الحيوي، لا يحتاج الى منطق اخلاقي بقدر ما يحتاج الى “قوة تنفيذية غاشمة” (Brute Force). التبريرات الغربية (كالدفاع عن الديمقراطية او حقوق الانسان) هي في الواقع “اكواد تجميلية” تهدف الى تقليل “المقاومة الاجتماعية” وتسهيل عملية “الاختراق الخوارزمي” للنظام المستهدف. ان عدم عدالة هذه الحروب تكمن في انها تنطلق من “انانيات جينية” للانظمة المهيمنة التي ترى في استقلال اي “خوارزمية” اخرى تهديدا لبقائها وتوسعها. انها “حرب تعريفات”، حيث تسعى القوة الاكبر لفرض تعريفها للعدالة كقانون كوني، بينما هي في الواقع تنفذ برنامجا للهيمنة الذي يفتقر لاي اساس اخلاقي متسق.
رابعا: الديالكتيك الهيغلي كمحرك لتطور الميمات السياسية
ما يفسر بقاء هذه الانظمة وتطورها ليس مجرد النسخ البسيط، بل هو “الديالكتيك الهيغلي” في صورته الحيوية. في الطبيعة، تتطور الكائنات عبر الطفرات والانتقاء الطبيعي، اما في السياسة، فتتطور الميمات عبر الصراع الصادم. الصراع بين المحور الغربي وايران هو تجسيد لصدام بين “اطروحة” و”نقائضها”.
كل طرف يسعى لامتصاص ميمات الاخر او تحطيمها لانتاج “تركيب” (Synthesis) جديد يضمن سيادته. ايران، عبر اربعة عقود، لم تظل ثابتة، بل طورت “ميمات سياسية” هجينة تجمع بين القومية والدين والتكنولوجيا الحديثة، كرد فعل ديالكتيكي على الضغوط الخارجية. هذا التفاعل المستمر يخلق “طفرات” في ادوات الحكم والمواجهة، مما يجعل النظامين في حالة “تطور مشترك” (Co-evolution)، حيث يدفع كل طرف الاخر نحو اقصى درجات التكيف والابتكار. ان هذا الصراع الديالكتيكي هو ما يمنح الخوارزميات السياسية مرونتها وقدرتها على البقاء في بيئة معادية.
خامسا: الاستثمار الابوي وحرب الوكلاء في البيئة الجيوسياسية
في البيولوجيا، نجد مفهوم “الاستثمار الابوي”، حيث يضحي الكائن بموارده لحماية الابناء او الاقارب الذين يحملون اجزاء من جيناته. في الجيوسياسية، يتجلى هذا بوضوح في “حرب الوكلاء”. دعم ايران لحلفائها في المنطقة (لبنان، اليمن، العراق) ليس مجرد “توسع عسكري” عشوائي، بل هو استثمار استراتيجي لانشاء “مصدات خوارزمية” خارجية.
هذه الاطراف تعمل كـ “اجهزة مناعية” متقدمة تشتت الهجمات عن “الجسد المركزي” للنظام في طهران. من جهة اخرى، فان الدعم الامريكي المطلق لاسرائيل يمثل حماية لـ “جين سياسي مشترك” وقيم خوارزمية تضمن بقاء المصالح الغربية في بيئة تعتبرها الخوارزمية الغربية “غير متوافقة عصبيا” مع قيمها. انها عملية حماية للمحيط الحيوي (Biosphere) السياسي لكل طرف، حيث يتم التضحية بـ “الخلايا الطرفية” (الوكلاء) لضمان سلامة “النخاع الشوكي” (المركز).
سادسا: “الجين النووي” والسعي نحو الحصانة الوراثية المطلقة
تتصارع الانظمة على الموارد الحيوية (النفط، الغاز، الممرات المائية) كما تتصارع الجينات على الغذاء والمساحة. وفي هذا الصراع، يبرز السعي الايراني نحو “التكنولوجيا النووية” كأهم “طفرة وراثية” منشودة في تاريخ النظام. ان امتلاك القدرة النووية يمثل في “البيولوجيا السياسية” امتلاك “حصانة مطلقة ضد الافتراس”.
الطرف الامريكي والاسرائيلي يدركان ان هذه الطفرة لو اكتملت، ستغير “قواعد التطور” في المنطقة للابد، لانها ستجعل “الة البقاء” الايرانية غير قابلة للاستئصال او “الافتراس العسكري”. لذا، فان الصراع على الملف النووي هو صراع على “هندسة المستقبل البيولوجي” للنظام الدولي، حيث تحاول القوى المهيمنة منع اي “طفرة سيادية” قد تهدد التفوق الخوارزمي الغربي. القوة هنا هي التي تحدد من يحق له امتلاك “ادوات الحصانة”، مما يكرس واقعا دوليا قائما على شريعة الغاب المغلفة بالقانون.
سابعا: الخداع والذكاء الاصطناعي للصراع الحديث
تستخدم الجينات الخداع (كالتنكر والتمويه) لضمان البقاء بعيدا عن اعين المفترسين. في العصر الحديث، تطور هذا الخداع الى “حرب ظل” سيبرانية واستخباراتية معقدة. الهجمات السيبرانية، الفيروسات الرقمية (مثل ستوكسنت)، والاغتيالات العلمية هي “طفرات” في فن الحرب تهدف لاضعاف “البرمجيات التشغيلية” للخصم دون الدخول في مواجهة شاملة قد تؤدي لـ “الانقراض النووي” للجميع.
في هذه الحرب المعقدة، تصبح الشعوب هي “الوقود الحيوي” و”الخلايا” التي يضحي بها النظام الايديولوجي (الراس الخوارزمي) لضمان استمرار الكيان الكلي. المعلومات المضللة وتزييف الوعي عبر خوارزميات التواصل الاجتماعي تصبح هي “السموم الحيوية” التي تحقن في عقل الخصم لشل قدرته على الرد او التفكير السوي.
نحو افق جديد لفهم “انانيات الانظمة”
من منظور “الجين الاناني” المطور فلسفيا وعصبيا، نجد انفسنا امام حقيقة قاسية: لا يوجد في ساحة الصراع الدولي “خير او شر” بالمفاهيم المثالية المطلقة، بل توجد “ارادات بقاء خوارزمية” تتصرف بانانيات وجودية. ان ما نشهده اليوم هو صراع الحضارات على “الاصلح” للبقاء في الجيل القادم من تاريخ البشرية.
ان عدم عدالة الاعتداءات وفشل التبريرات العقلانية يكشفان ان الاخلاق في السياسة الدولية هي مجرد “ملحق برمجي” يتم تفعيله او تعطيله حسب مقتضيات البقاء. البقاء في هذا العالم المعقد ليس للاقوى ماديا فحسب، بل للاكثر قدرة على ادارة “خوارزمية صراعه” بذكاء، وفهم التباينات العصبية والديالكتيكية التي تحرك التاريخ من الاعماق. اننا نعيش عصر “السيادة الغاشمة” التي تتطلب منا وعيا يتجاوز الشعارات، لنفهم كيف تدار الالات السياسية التي تحاول استهلاكنا كوقود لبقائها الاناني.
* بروفيسور متمرس في جامعة UCD
