Skip links

الاستهداف الايراني لدول الخليج العربي

الفريق الركن صباح نوري العجيلي

المقدمة:

 في صباح يوم السبت وعند الساعة 0900، تعرّض المجمع الرئاسي في طهران لهجوم جوي إسرائيلي مباغت، في وقت كانت فيه قنوات التفاوض مع الولايات المتحدة لا تزال مفتوحة. وقد أسفر الهجوم عن خسائر جسيمة، كان أبرزها مقتل المرشد الإيراني والقائد العام للقوات المسلحة علي خامنئي، إلى جانب عدد من أعضاء مجلس الدفاع الأعلى، بينهم وزير الدفاع، ورئيس أركان الجيش، ورئيس أركان الحرس الثوري، والأمين العام للمجلس علي شامخاني، ومدير المكتب العسكري للمرشد.

يمثل هذا التطور استهدافاً مباشراً لما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ«مركز الثقل» السياسي-العقائدي للنظام الإيراني. فالمساس بمركز الثقل لا يقتصر على إيقاع خسائر قيادية، بل يستهدف إرباك الإرادة الوطنية وإحداث شلل في منظومة القرار والسيطرة. غير أن الرد الإيراني السريع – خلال ساعة إلى ساعتين – باستهداف أهداف إسرائيلية وقواعد أمريكية في المنطقة، عكس مستوى عالياً من الجاهزية، وكشف عن وجود خطط طوارئ مُعدّة سلفاً لضمان استمرارية القيادة والقدرة على المبادرة.

وعليه، يمكن اعتبار هذه الضربة إيذاناً باندلاع حرب إسرائيلية-أمريكية على إيران، تدخل  يومها الثالث.

أولاً: دلالات الرد الإيراني السريع

يحمل الرد الصاروخي الإيراني خلال الساعات الأولى جملة دلالات عملياتية واستراتيجية، من أبرزها:

– استمرار عمل منظومات القيادة والسيطرة، مع توافر بدائل قيادية.

– إعداد خطط استجابة مسبقة، مستفيدة من تجارب سابقة، ولا سيما دروس حرب حزيران 2025.

– تبنّي ما يُعرف بـ«عقيدة الساعة الذهبية»، القائمة على تنفيذ رد عسكري سريع عقب الضربة المعادية، بهدف منع انهيار الردع واستعادة زمام المبادرة. فالسرعة هنا ليست مجرد عنصر تكتيكي، بل أداة لإعادة تثبيت صورة الدولة القادرة على إدارة الصراع تحت الضغط.

ثانياً:القصف الإيراني لدول الخليج: توسيع الجغرافيا الاستراتيجية

لم يقتصر الرد الإيراني على الساحة الثنائية، بل امتد منذ اليوم الأول ليشمل أهدافاً مدنية ونفطية وعسكرية في السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان، عبر مئات الصواريخ والمسيّرات. كما اتسعت دائرة العمليات لتشمل تهديد السفن وناقلات النفط في الخليج، ضمن إطار استهداف مصادر الطاقة الحيوية.

ويكتسب هذا التصعيد دلالة خاصة في ظل مساعي دول الخليج إلى احتواء الأزمة، بل ورعاية بعض قنوات التفاوض، كما هو الحال مع سلطنة عمان.

ثالثاً:الأهداف الاستراتيجية لطهران

يمكن قراءة استهداف الخليج ضمن منظومة أهداف مترابطة:

1: توسيع نطاق الحرب وتعدد مسارح العمليات، بما يحول الصراع من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي أوسع.

2: توظيف ورقة الطاقة العالمية؛ إذ تمثل دول الخليج شريان الإمداد النفطي العالمي، وأي تهديد للموانئ أو المنشآت النفطية أو للممرات البحرية مثل مضيق هرمز من شأنه إحداث صدمة في الأسواق وفرض ضغوط اقتصادية دولية.

 3: السعي إلى جرّ دول الخليج إلى الاصطفاف العلني إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يعيد تعريف الحرب كصراع إقليمي لا كمواجهة ثنائية.

4: تشتيت منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والخليجية عبر تعدد الجبهات

5: إرباك الحسابات العملياتية للخصوم من خلال توسيع نطاق الاستهداف.

6: خلق بيئة ضغط سياسي على واشنطن عبر حلفائها الإقليميين.

رابعاً: الاستراتيجية الخليجية الراهنة

في المقابل، تميل الاستراتيجية الخليجية وفق المؤشرات إلى تبنّي مقاربة احتواء دفاعي، قوامها:

– الامتناع عن فتح جبهات هجومية مباشرة ضد إيران.

– تحميل طهران المسؤولية السياسية دون الانزلاق إلى إعلان حرب رسمية.

– الاعتماد على المظلة الأمريكية في مجال الردع والحماية.

والغاية الأساسية: تتمثل في منع تحوّل الاستهداف إلى حرب إقليمية شاملة، والحفاظ على الاستقرار الداخلي والاقتصادي.

خامساً:هل تسعى طهران فعلاً إلى جرّ الخليج للحرب؟

يبقى التساؤل قائماً حول النية الحقيقية وراء هذا التوسيع. ويمكن طرح احتمالين:

تصعيد شامل مقصود: يهدف إلى تحويل الحرب إلى مواجهة إقليمية تعيد تشكيل التوازنات.

أو تصعيد محسوب: يهدف إلى إظهار القدرة ورفع الكلفة دون نية فتح جبهة برية أو بحرية واسعة.

وتدرك إيران أن فتح مواجهة متزامنة مع السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عمان، في ظل تفوق جوي وتقني أمريكي–إسرائيلي، قد يقود إلى استنزاف يتجاوز قدرتها على التحمل.

سادساً: الاستراتيجية الخليجية المستقبلية

من المرجح أن يفضي هذا التطور – في حال انتهائه – إلى مراجعات استراتيجية خليجية عميقة، أبرزها:

– تعزيز التنسيق السياسي والعسكري المشترك.

– تطوير منظومات الدفاع الجماعي، لا سيما في مواجهة الصواريخ والمسيّرات.

– توسيع أطر التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة والدول الغربية.

الخلاصة:

لا يمكن فهم استهداف دول الخليج باعتباره فعلاً انتقامياً محضاً، بل كأداة ضمن معادلة ردع مركبة تهدف إلى توسيع مسرح العمليات، ونقل كلفة الحرب إلى الاقتصاد العالمي، وإعادة صياغة البيئة السياسية للصراع.

غير أن توسيع الجغرافيا يعني، بالضرورة، تضييق هامش السيطرة على مسار التصعيد. فالحروب متعددة المسارح نادراً ما تبقى ضمن الحسابات الأولية لمن أطلق شرارتها. وعليه، فإن إدخال الخليج في دائرة النار قد يشكّل ورقة ضغط محسوبة لإعادة التوازن… أو مدخلاً لانزلاق غير محسوب نحو صراع إقليمي واسع يصعب احتواؤه.

اترك تعليقًا

عرض
Drag